العدد 13 - ثقافي
 

هيا صالح

لا ينفصل واقع النقد على الساحة الأردنية عن واقع النقد في الوطن العربي عموماً من حيث طبيعة التعاطي مع مناهج الغرب النقدية عموماً، وإن كان ثمة فروقات قليلة يمكن رصدها بين التجربتين المغاربية والمشرقية العربيتين على هذا الصعيد. إذ اختطّ المشتغلون بالنقد عربياً في غالبيتهم طريقَ المناهج التي أنتجها الغرب، وحفظَ بعضهم ما جاءت به هذه المناهج عن ظهر قلب، ليستعينَ بها في كتاباته التنظيرية والتطبيقية، بدل تأمُّلها والتفكُّر فيها بتروٍّ لأخذ ما هو مناسب منها أو إعادة تكييفها بما يتلاءم مع النص الأدبي العربي ومتطلّباته، بل يمكن القول من دون تعسّف إن المشهد النقدي عربياً يذهب باتجاه حالة من التحنيط والموميائية، وكأن خصومةً لا فكاكَ منها تتكرّس بينه وبين الخلق والابتكار اللذين يُعدّان شرطاً أساسياً للإبداع، إذ النقدُ إبداعٌ أيضاً.

هذه الحال التي يمكن رصدها بوضوح في كثير من الكتب الصادرة هنا وهناك موشَّحةً باسم «نقد»، وفي «الدراسات» التي تنبري لنشرها مجلاتٌ محكمة وغير محكمة، وفي المقالات ذات الصبغة الانطباعية التي تستشري في الملاحق الثقافية للصحف.. تؤشر إلى حقيقة يصرّ بعضهم على دفن رأسه بغيةَ عدم مواجهتها، تتمثل في عدم قدرة المدونة النقدية، (أو الموصوفة بـ«النقدية») العربية المعاصرة تأسيسَ نظرية خاصة بها، ولا هي تجسّر الفجوة مع تراثٍ نقديّ مشهود له بالغنى والثراء، أو تذهب باتجاهه بجرأةٍ أو تتشاكل معه وتستلهمه في تحديث أساليبها ومناهجها لمجاراة المتحصّل من إبداعٍ أدبي حقق إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي العربي برمّته.

ومن «النَّقَدة» العرب، هناك من ينبري إلى تطبيق منهج غربي بعينه -وقسرياً- على النص الإبداعي المنتَج في سياقه العربي، ويستعرض هذا «الناقد» عضلاته في استخدام تعابير ومصطلحات غربية إثناء تناوله نصاً أدبياً ذا هوية «شرقية»، غافلاً عن أن هذه التعايير والمصطلحات هي ابنة بيئتها أولاً، وأنها تمخضت بتأثيرٍ من النصّ المنتَج في بلادها في الأساس.. وفي هذا ما فيه من استقدام لمقولات جاهزة يجري لَيّ عنق النص و«تقليمه» بما يتوافق مع إطارها.. ناهيك عن التغافل الذي يجري حول حقيقة أن النص الإبداعي سابق للنقد وعليه، وأن النقد تابعٌ –وهذا ليس حكماً قيمياً، وإنما توصيف موضوعي- يجترح مساره وفقاً لمتطلّبات النص الذي يتناوله وعوالمه الداخلية، ذلك النص المتمرد الذي يتطلع دائماً إلى فضاء من الحرية والتجديد والتغيير، وينفر من القوالب النقدية الجاهزة والمعدّة سلفاً.

ومن الباعث على الضيق عند تمعّن ما يُنتَج في إطار المدونة النقدية على الساحة العربية، ذلك الانتحال الذي يجري دون أن يوقفه أحد، حين يتهافت كل من أنهى متطلبات الماجستير أو الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها على لقب «ناقد»، وكأن دراسة الأدب أو دراسة ظواهره بالمطلق، أو تتبّع تاريخه تعني «النقد»، وليس القصد هنا التقليل من شأن التخصصات سالفة الذكر، ولكن المراد وضع الأمور في نصابها، ومن دون ذلك سنبقى نعاني حالة «العَرج» و«التعمية» التي تقود إلى اختلاط في الأوراق، وارتباكٍ نصنعه بأيدينا وبقرارنا، وهو ما يُنتج أحياناً نصاً نقدياً ضعيفاً ومهزوزاً أقل ما يقال عنه إنه ليس جديراً بأن يكون نصاً على نص كما يريد له صاحبه، وأكثر ما يُقال عنه إنه تدليس واستغفال لا يليقان بمن يدّعي أنه «يشرّح» النصوص ليكتنه مجاهيلها، ويستلهم الغنى في مضامينها وفنياتها. وما يزيد طينَ المشهد النقدي في بلادنا بلّةً ذلك الاتجاه غير المحمود نحو «الطلاسم» عبر التنطّع لاستخدام رموز وإشارات ورسومات تجعل القارئ في حيص بص، وكأنه في معركةٍ لفكّ حجاب أو أحجية عصيّة على الفهم، لا قارئَ نصٍّ يُفترَض به –هذا النص- أن يجاري النص الأدبي الذي يقوم عليه أو يتفوق عليه.

وإذا كنّا نقرّ بأن ثمةَ جذوراً أو علائمَ لممارسة نقدية ناضجة ومدركة عرفها أجدادُنا في عصور ازدهار الأدب، فلماذا لا يجري التأسيس لما يمكن أن يُدعى «نظرية نقدية عربية معاصرة» استلهاماً من التراث وبالإفادة منه وبالركون إليه، ثم تأتي لاحقاً مرحلة التفاعل مع مناهج النقد الغربية والأخذ منها ومنحها أيضاً ما لدينا دون إخلالٍ بالجوهر، وبذلك يصبح بالإمكان أن يتقدم النقد في العالم العربي، بل ويصبح نقداً عربياً له ملامحه وضوابطه واستقلاليته التي تمنع من تبعيته.

كفى تقطيعاً لأوصال النظرية النقدية الغربية وإلصاق أجزاء منها بما يُكتب حول النصوص الأدبية العربية، ولنوقف التداول بمقولة «كل إفرنجي إبرنجي» دون أن يعني هذا قطعاً مع الغرب، فكلٌّ منهما: القطع مع الغرب أو القطع مع التراث، خطأ علينا أن نتجنب ارتكابه، فلِمَ لا تكون نوافذنا مفتوحة على كل الاتجاهات، وهي دعوةٌ هنا لِما كان تأسسَ قبل سنوات قليلة باسم «جمعية النقاد الأردنيين» لتؤدي دوراً في هذا السياق ولتسهم في وضع هذه القضية على طاولة النقاش، ولتمارس نقداً ذاتياً قبل ذلك كله، فإقامة محاضرة أو ندوة حول كتاب أو تجربة أدبية يمكن أن يقوم بها منتدى ثقافي صغير، أما البحث في شؤون النقد على الساحة العربية وغربلة المشهد من زوانٍ لا ينكر أحدٌ وجوده، مهمّة تتطلب جهداً من ذوي الاختصاص، فقد اختلط الحابل والنابل وأصبح كل من يورد رأياً انطباعياً عابراً، ناقداً بقدرة قادر، بل ويصبح تماماً كذلك الجنرال الذي لم يخض حرباً حقيقية واحدة،ولم يقدم منجزاً لافتاً يمكث في الأرض، ورغم ذلك فإن صدره مليء بالنياشين.

النقد على الساحة العربية القطع مع التراث كالقطع مع الغرب.. كلاهما خطأ
 
14-Feb-2008
 
العدد 13