العدد 76 - حريات
 

عطاف الروضان

بإعلانها مسودة مشروع قانون جديد لمراكز الإصلاح، تحاول مديرية مراكز الإصلاح والتأهيل، دفع مشروع إصلاح السجون الذي تبنته منذ العام 2006 إلى الأمام، بعد انتقادات تعرضت لها سياسات إدارة السجون، أفضت إلى حوادث شغب تزايدت خلال العامين الأخيرين.

هذا التوجه بدا واضحاً بإعلان مدير إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل العقيد شريف العمري، بداية هذا الأسبوع، عن الانتهاء من إعداد هذه المسودة التي من شأنها «التخفيف من عدد نزلاء مراكز الإصلاح، وتشجيع حسن السير والسلوك للنزلاء، وحماية أسرهم من الفقر بتوفير أعلى درجات الرعاية».

مسودة القانون تعزز تصور الدولة لإصلاح السجون، بتحويلها عملياً، بعد تغيير اسمها إلى مراكز للإصلاح، لتكون محطات للنزلاء، للحصول على فرصة لإصلاح سلوكهم الذي أوصلهم لهذا المكان.

هذا «الوعد»، تضمنه شروط أكدت عليها بنود المسودة، أهمها أن كل هذه الامتيازات المتوقعة، «يحصل عليها السجناء ذوو السيرة الحسنة».

وهو ما أكده رئيس لجنة الحريات العامة وحقوق المواطنين في مجلس النواب فخري إسكندر، ورأى فيه دليلاً على مطابقة هذا التوجه للمنطق. يقول: «من شأن ذلك أن يمنح حوافز للمساجين للتصرف بشكل جيد».

يرى إسكندر الذي أنهى خدمته في الأمن العام برتبة لواء العام 2003 ، من واقع خبرته التشريعية والأمنية، أهمية كبيرة لهذا التوجه لمواكبة التوجه العالمي الذي يكرس سياسة الإصلاح في السجون.

ويوضح: «أن وجود عدد كبير من النزلاء، يتطلب قدرة عالية على إدارتهم، فوضعهم النفسي يكون متردياً، ما يحملهم على إثارة المشاكل دائما».

المركز الوطني لحقوق الإنسان الأردني بيّن في تقريره الأخير «أن أعمال الشغب داخل السجون زادت خلال العام الماضي، وارتفع عدد الإضرابات في السجون إلى 1112 إضرابا عن الطعام منفذا من قبل النزلاء».

مسودة مشروع القانون، ما زال أمامها مراحل عدة قبل إقرار القانون من مجلس الأمة، اسكندر لا يتوقع أن يلاقي مشروع القانون حال وصوله إلى النواب معارضة، لأن «المجلس يقف إلى التوجه الإصلاحي الذي يعبر عنه هذا التصور بوضوح».

القانون المقترح يتيح الإفراج عن النزلاء في حالات عديدة، منها الإفراج الشَرطي الذي يسمح لإدارة السجن بالإفراج عن النزيل إذا كان حسن السير والسلوك، بعد الاكتفاء بجزء من العقوبة، مما سيساهم في «تخفيف الضغط على السجون بتخفيف عدد النزلاء»، بحسب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان المحامي هاني الدحلة.

وصل عدد السجناء في أبريل/نيسان 2008 في مختلف مراكز الإصلاح والتأهيل في البلاد إلى 7665 سجيناً، بحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش» التي زارت سبعة سجون العام الماضي، وأكدت «أن معظم السجون كانت تضم عدداً أكبر من سعتها الفعلية».

الدحلة يرى أن انتقال المسودة إلى قانون من «شأنه أن يعود بمردود اجتماعي إيجابي على المجتمع والأسرة»، في إشارة إلى البند الذي تضمنته المسودة ويقترح تأجيل العقوبة بالنسبة لأحد الزوجين في حال تم توقيفهما أو الحكم عليهما في إحدى القضايا أو تزامن وجودهما هناك، ليتمكن أحدُهما من رعاية الأسرة.

وهناك بند متعلق بـ «إفراج الشيخوخة»، على أن يكون النزيل تجاوز السبعين من عمره، وهو ما تقرره لجنة متخصصة تدرس ملف النزيل، في هذه الحالة وحالات الإفراج الأخرى، وتتأكد من التزامه بالشروط التي تتيح الإفراج عنه.

المحامية نسرين زريقات، من المركز الوطني لحقوق الإنسان، ترى أن هذا التوجه يحمل مصلحةً مشتركة لإدارة السجون، وللنزلاء، ذلك أنه «يساعد في خلق علاقة حسنة بينهما، بعد بخاصة بعد حوادث شغب السجون التي تكررت مؤخراً».

زريقات تبين أن إدارة السجون تستطيع «الاستفادة من هذه البنود كحوافز إيجابية لمن كان سلوكه حسناً، أو أولئك الذين من الممكن أن يبادروا إلى إتباع تلك الطريق، لأنهم سيلمسون الفرق».

تمنح المسودة إجازات للسجين مقابل تحقيق مجموعة من الشروط، كأن يمنح إجازة مدتها ثلاثة أيام لحضور بيت عزاء أحد المقربين، بالإضافة إلى إجازة للنزلاء المتزوجين مدتها يومان شهرياً.

وفي حال الموافقة على هذا البند، فإنه سيتم «إغلاق بند الخلوة الشرعية الذي لم يلق قبول النزلاء، بسبب مفاهيم اجتماعية خاطئة بالنسبة لهم»، بحسب تصريحات صحفية لمدير إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل شريف العمري.

ترى زريقات أن «لدينا مثالاً عملياً على التأثير الإيجابي في النزلاء لمنحهم الإجازات، المطبقة بكثرة في السجن العسكري، التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة».

كثير من هذه البنود تضمنها التقرير الأخير للمركز الوطني لحقوق الإنسان حول السجون الذي صدر مطلع هذا العام، منها ما أطلق عليه ضمانه «الإفراج الصحي»، وهو عملياً مطبق وفقاً لنصوص قانونية في دول عدة، منها مصر.

هذا التوجه تضمنته مسودة مشروع القانون التي وضعت شروطاً للإفراج عن المصابين بالأمراض المستعصية، والتي يستحيل الشفاء منها.

كما تتضمن مسودة القانون توجهاً لإيجاد عقوبات بديلة للنزلاء، منها إرغامهم على أعمال اجتماعية تطوعية، وأعمال النظافة، أو وضعهم تحت الرقابة الشرطية بأمر من قاضي التنفيذ.

كانت «منظمة هيومن رايتس ووتش» بينت في تقرير لها حول إصلاح السجون في الأردن نُشر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أن «برنامج إصلاح السجون في الأردن ركز على التحسين المادي على الإصلاح الإجرائي، والمحاسبة على المخالفات، وأكثر مجال ظهرت فيه النتائج الملموسة هو؛ بناء عدة سجون جديدة».

تم بناء مركز إصلاح وتأهيل الموقر جنوب شرق عمان، في مايو/أيار 2007، وإغلاق سجن الجفر في كانون الأول/ ديسمبر 2006، وهو سجن صحراوي منعزل عُرف بسمعته السيئة بما يتعلق بالتعذيب.

هذه المسودة تعكس توجهاً عملياً، لرغبة ملكية لإصلاح السجون، دعا لها الملك عبدالله الثاني في كانون الأول/ ديسمبر العام 2006، ووضعته مديرية الأمن العام على رأس أولوياتها، بإعلان صريح من مدير الأمن العام اللواء مازن القاضي عند تعيينه في كانون الأول/ ديسمبر 2007.

وفقاً لمن تحدثت معهم «السجّل» من حقوقيين ومهتمين، فإن تركيز المسودة على الحريات والحاجات النفسية والصحية للسجناء، يعني أن مديرية مراكز الإصلاح والتأهيل بدأت بالاستجابة عملياً للحراك المدني والحقوقي الحثيث في هذا المجال منذ سنوات.

مسودة مشروع قانون جديد لمراكز التأهيل توجُّه إصلاحي لتغيير صورة “السجون” النمطية
 
14-May-2009
 
العدد 76