العدد 75 - ثقافي
 

عواد علي

يكاد لا يخلو موسمٌ مسرحي عربي من نص للكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه، لسببين: المستوي الإبداعي الرفيع لنصوصه وثيماتها الإنسانية العميقة، ومساندته للقضايا العربية، مثل القضية الفلسطينية، والعمال العرب المهاجرين في أوروبا.

كتب جينيه، خلال حياته (1910-1986)، خمسة نصوص مسرحية هي: «حارس بوابة الموت»، «الحواجز»، «السود»، «الخادمات»، و«الشرفة». وقد أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة مشاهدة خمس تجارب إخراجية لنصوصه الثلاثة الأخيرة، الأولى «السود» للمخرج العراقي سامي عبد الحميد في كلية الفنون الجميلة ببغداد العام 1983، وجاءت بعنوان «احتفال تهريجي للسود»، والثانية والثالثة: «الخادمات» لكل من المخرج العراقي ناجي عبد الأمير في العام نفسه، والمخرج الأردني زياد جلال في العام 1995، والرابعة: «الشرفة» للمخرج الكندي روبرت وليامز في أوتاوا العام 2006، والخامسة: «السود» للمخرج المصري الشاب عادل الصاوي قدّمها في القاهرة قبل نحو ثلاثة أسابيع.

في المسرحية الأخيرة يمثل عدد من السود كلَّ مساء دوراً أشبه بالطقوس الدينية: مقتل امرأة بيضاء، هذا لأنهم لا يستطيعون هزيمة البيض إلاّ في عالم الخيال، ورغم ذلك يعدّ هذا الخيال، وهو مزيج من الحقد والتمرد والسحر، قيمة تعكس كينونة البيض الكاريكاتيرية.

في أول الأمر يظل الصراع بين البيض والسود من الخارج، خلف المسرح، حيث يصدر الحكم على أسود خان القضية، وأُعدم أمام محكمة من جنسه. لا يتمكن السود من هزيمة أولئك الذين يسيطرون عليهم، فيقتلون واحداً منهم، ويجدون -في عالم الخيال دائماً- انتصارهم على البيض والوعي بأنفسهم.

تطالعنا دائماً مسرحية داخل المسرحية التي يعرّفها جينيه بقوله: «إنها ملهاة صاخبة، وهي أيضاً مأساة من مآسي التمرد والاستنكار». أما شخوصها فكلهم من المنبوذين والأشقياء الرازحين تحت وطأة حكم مسبق –مثل الخطيئة البشرية- كُتب عليهم أن يعيشوا بعيداً عن بيئتهم الاجتماعية، من دون أية إشارة إلى براءتهم أو إجرامهم الفعلي. يُضاف إليهم الخدم والسود والمتشردون من إفريقيا الشمالية، فيؤلفون، في رأي جينيه، فئات اجتماعية مغلقة اندست في قلب المجتمع، لكل منها عاداتها وطباعها ونظمها وشعائرها، ويتوق كل فرد من أفرادها إلى فعل أعلى شأناً، وإلى نشوة أعظم قدراً في اقتراف الإثم حتى ينفرد بضرب من الكرامة، وفي جو مطلق لا يتصل بتلك الأحكام الاجتماعية التي أبعدته نهائياً عن معاشرة غيره من الناس.

تقترب المسرحية في مناخها العام، من مسرحية «الخادمات» التي قدم فيها جينيه خادمتين سوداوين تقومان بتمثيل محاولة قتل سيدتهما البورجوازجية، بأسلوب «المسرح داخل المسرح»، أي بوساطة الخيال والوهم. في مطلع المسرحية يشاهد المتلقي مسرحاً داخل المسرح، ويقع تحت سيطرة الوهم، وتطالعه غرفة نوم ازدانت بأثاث فخم على طراز عصر لويس الخامس عشر، وتنتصب أمامه، بين الأقمشة المخرمة والزهور، سيدة متغطرسة ترتدي ملابسها بمعونة خادمتها، إلاّ أن المشهد لا يعدو كونه تمثيلاً في تمثيل، لأن السيدة هذه ليست إلاّ خادمة. تظهر السيدة الحقيقية، بعد أن أعدت لها الخادمتان جريمة القتل الوهمية. ثم تقع، في نهاية المطاف، حادثة موت حقيقية، أيضاً على شكل محاكاة للجريمة، وكانت في الواقع انتحاراً، بمعنى أن إحدى الخادمتين تجبر شقيقتها على أن تقدّم لها السم لتلقي حتفها وهي تؤدي دور السيدة.

أخرج هذه المسرحية جواد الأسدي، وعرضها في بيروت قبل ثلاث سنوات.

يرى دارسو جينيه أنه، ابتداءً من مسرحية «الخادمات»، اتجه إلى الانغماس في مشكلات الهوية التي جذبت كتّاب المسرح الفرنسيين الطليعيين، مثل: بيكيت، ويونيسكو، وقد أكد في مسرحياته اللاحقة نزعة تعبيرية قصدت صدم المتلقي وتوريطه بالكشف عن نفاق عالمه وإذعانه.

بعد زيارة جينيه إلى مخيمَي صبرا وشاتيلا بلبنان مباشرةً، عقب مجزرة أيلول/سبتمبر 1982، التي راح ضحيتها أكثر من أربعة آلاف شهيد، كتب نص «أربع ساعات في شاتيلا»، الذي حوّله المخرج المغربي عبد الواحد عوزري إلى مونودراما أدّتها الممثلة ثريا جبران (وزيرة الثقافة المغربية الحالية)، وعُرضت أولاً في الدار البيضاء العام 2005 ضمن احتفال الوسط الثقافي في المغرب بجينيه، ثم في مهرجان دمشق للفنون المسرحية الثالث عشر (2006).

في هذا النص يعيد جينيه ترتيب الأحداث كتحقيق صحفي موجه إلى القارئ الغربي بعامة والفرنسي بخاصة، وقد لا تكون النتيجة جديدةً على المتلقي العربي، لكن لا بد منها لخلخلة ثوابت الدعاية الصهيونية في المجتمع الفرنسي حول لامسؤولية إسرائيل تجاه المجازر.‏

يقول الناقد المغربي محمد برادة في شهادته حول النص إن جينيه كتبه بعد صمت استمر نحو عشرين سنة، لكنها لم تكن عودة لمجرد الشهادة على تلك الجريمة الوحشية، بل هي عودة تتدثر بسحر الكتابة العميقة، الفاتنة، التي ميزت جينيه، وجعلت من علاقته بالفلسطينيين تعلّة للبوح بما اختزنه الكاتب طوال حياته متنقلاً بين بؤر الثورة، ومناطق مجابهة الظلم والاستعمار. وفي هذا النص يؤكد جينيه، بأسلوبه الخاص، رفضه للتنازلات عندما تتعرض قيم الحق والثورة والحرية للاغتيال.

أما المخرج عبد الواحد عوزري، فيقول عن العرض إنه ليس إعادة تجسيد التاريخ، ولا هو محاولة للانغماس في المسرح الوثائقي، ويضيف: “طموحنا أن نحاول بلورة صرخة الألم التي صاغها الكاتب”.

من “حارس بوابة الموت” إلى “صبرا وشاتيلا” جان جينيه.. ذلك الحاضر دائماً
 
07-May-2009
 
العدد 75