العدد 65 - الملف
 

أُسرت منى السعودي، منذ بداية وعيها، بالمنحوتات المبعثرة في ساحة المدرج الروماني )ملعب طفولتها(،وشكّل الموقع الأثري المسمى «سبيل الحوريات » بأعمدته المنقوشة وأقواسه وينابيعه، ساحةَ بيتها الأمامية، فعاشت حياتَها بين تلك الحجارة، مسحورة بجمالها، على حلم أن تكبر لتصبح «صانعة أشكال فنية .»

في بيروت، التي انتقلت إليها السعودي العام 1963 ، رأت رسوماتها النور للمرة الأولى في معرض أقامته بمقهى الصحافة الذي كان يشكّل حينها منتدى ثقافياً في مبنى صحيفة «النهار ،» من بيروت واصلت السعودي رحلة إبداعها إلى باريس، التي شكلت لها فضاءً ينبض بالجمال والحياة

والحرية، فواصلت دراستها في المدرسة العليا للفنون الجميلة، وفيها بدأت اكتشاف العلاقة بين جسد الإنسان وجسد الأرض، وآمنت بأن الإنسان هو مركز الكون، وفي جسده تكمنُ أسرار الحركة والتكوين والامتلاء والفراغ.

انطلاقاً من هذه الرؤية، صنعت السعودي منحوتات عبر اختزال الأشكال، ومحورتها حول المركز، حيث تواصل نموها انطلاقاً منه. وفي العام 1965 أنجزت أول منحوتة من الحجر أسمتها «أمومة الأرض »، ثم واصلت إنجاز منحوتات أخرى حول هذا الموضوع، كانت تكوينات

حانية أو متماسّة الأضلع ومتشابكة الأصابع، تشير إلى معنى التماسك من خلال حركة الرأس والذراعين. في العام 1967 حطت السعودي رحالها في إيطاليا )بلد الرخام(، وفيها تعلمت كيف تستعمل الإزميل والمطرقة الهوائية وصقل الرخام، كما التقت الفنان الهندي المعروف كريشنا ردي الذي جمعتها به صداقة وثيقة، ومن وحي تجربته استشفت منى أسرار الصفاء الداخلي والتركيز على ما هو جوهري. عادت السعودي إلى بيروت العام 1969 ، لتواصل العمل في محترفها؛ وهو بيت قديم محاط بحديقة تنمو فيها الأشجار والنباتات، تتعانق معها بعض منحوتاتها من مثل: «عاشقة « ،» فجر « ،» عناق « ،» أمومة « ،» شجرة النون »، أو تنغرس لتتوحد بطين الأرض التي ولدت منها وإليها تعود، أو تثبت لتظل شاهدة على إبداعات فنانة صادقت الحجر فَصَدَقَها.

إلى جانب عملها في النحت، تكتب السعودي الشعر، وقد أصدرت مجموعتين شعريتين هما: «رؤيا أولى » العام 1970 ، و «محيط الحلم » العام 1993 ، وما تكتبه يتداخل بتجربتها النحتية كجزء من جسد المنحوتة تارة، وكمصدر إلهام تارة أخرى، إذ إن الجملة الشعرية بالنسبة لها كالمنحوتة التي تُوُلِّد فضاء زاخراً بالإيحاءات. أصدرت السعودي العام 2007 ، كتابها «أربعون عاماً من النحت » الذي يتضمن سيرة الفنانة ومسيرتها مع الحجارة التي ما تزال السعودي ترى، رغم إنجازها لمئات المنحوتات، أنها حبلى بأشكالٍ يمكن أن تولَد كل يوم،من دون نهاية.

منى السعودي: الشعر منحوتة حجرية
 
26-Feb-2009
 
العدد 65