العدد 65 - الملف
 

محمد جميل خضر

في موازاة الحراك الموسيقي الذي ترعاه الدولة، خصوصاً ما تقدمه وزارة الثقافة ومعاهد ومؤسسات تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء، فإن القطاع المحلي الخاص سعى منذ زمن ليس بقريب إلى تحقيق حضوره الموسيقي.

وبعد فرق ريادية مثل فرقة النغم العربي التي كان للموسيقار الراحل عامر ماضي الفضل في تأسيسها، وفرق متأثرة بالموسيقى الغربية مثل: ميراج وفرقة الموسيقى السوداء )كونكورد( وغيرها ثمانينيات القرن الماضي، برزت مع مطلع الألفية الثالثة فرق موسيقية بنكهة خاصة تتمثل في سيطرة هاجس المزج الخلاق بين موسيقانا الشرقية والموسيقى الغربية. ورغم ريادة “رم” طارق الناصر في هذا الاتجاه، وأسبقيته الزمانية والإنجازية على معظم الوعي الموسيقي المعبر عن هذه التوجهات، فإن ذلك لا يقلل من شأن عديد الفرق )الشبابية خصوصاً(، التي أُعلن عنها وبدأت تبحث عن مكان لها وسط هذا الزحام. ومنها فرق: شرق وتلاقي وزمن الزعتر وشو هالأيام ورباعي الخطيب )أربعة أشقاء من عائلة الخطيب(، ونوازن وثلاثي خوري، وجدل وسلام، وفينغو- زيد حمارنة وعزيز مرقة وفرقة راز وإيلوجن وريف وغيرها. ورغم شح الزيت في القنديل، وعدم واقعية الاعتماد على الدخل المتعلق بثمن البطاقات فقط، فقد حققت الفرق الموسيقية المحلية المستقلة في العامين الماضيين حضورا لافتا فرض على المتابعين والمهتمين والنقاد قراءة ظاهرة انتشار فرق متكونة أساسا من عازفين ومؤدين شباب، تحمل في توجهاتها الموسيقية رؤى وأساليب جديدة، بعين فاحصة، ووضع حراكها في السياق الموسيقي المحلي والعربي والعالمي. وبحسب أستاذ الموسيقي رامي حداد،

مدير فرقتي شرق وتلاقي «لا يوجد دعم حقيقي لتلك الفرق ». ويضرب حداد على ذلك مثلاً «حين تلقت فرقة تلاقي دعوة للمشاركة في مهرجان بيلفورت للموسيقى في فرنسا، توجهت بطلب الدعم من كثير من الجهات المتخصصة وغير المتخصصة، ومنها نقابة الفنانين الأردنيين، لكن طلبها قوبل بالاعتذار، باستثناء ما قامت به أمانة عمّان الكبرى، عبر جهود نائب أمينها المهندس عامر البشير، الذي قام بدعم سفر الفرقة في حدود صلاحياته .»

وهناك إلى ذلك، دور متواضع بحسب الإمكانات للمنتدى الأردني للموسيقى الذي يقدم، بحسب حداد «الدعم من خلال تنظيم الحفلات والأمسيات الموسيقية للفرق، ويقدم دعماً مادياً متواضعاً مقابل قيام الفرق بأداء حفلات موسيقية .» ويأمل حداد بأن يكون هنالك دعم جاد لتلك الفرق، خصوصاً من قبل نقابة الفنانين ومن قبل وزارة الثقافة والجهات الأخرى ذات الاهتمام. وبسبب هاجس المزج fusion ، والرغبة في خلق هارموني harmony بين الموسيقى الشرقية والغربية، استخدمت معظم تلك الفرق آلات متنوعة؛ شرقية كالعود والقانون والإيقاعات الشرقية، وغربية كالتشيلو والساكسوفون والغيتارات بأنواعها، وحافظت الكمنجات على معناها المتوازن ووظائفها الصالحة للنوعين سالفي الذكر.

وإن كانت فرقة مثل «زمن الزعتر »، قد حققت حضورها بعد مشاركات واسعة وعدة سنوات من العمل وإنتاج الألبومات والتعاون المثمر بين عازف العود أحمد بركات وعازف الغيتار يعقوب أبو غوش، فإن فرقة أخرى مثل «شرق » حققت حضورها في زمن قياسي وخلال العام الأول من انطلاقتها. تتباين آراء النقاد والمتابعين حول ظاهرة الفرق المستقلة، ففي حين يرى الموسيقي والأكاديمي هي ثم سكرية أن من شأن تلك

الظاهرة أن تنمي المواهب الشابة وتفتح آفاقا جديدة أمام الحراك الموسيقي المحلي وتشكل فرصة لتبادل التجارب والخبرات والمواهب، فإن الفنان نصر الزعبي يشترط توافر لحظة تاريخية فاصلة ليتخلص الحراك الإبداعي المحلي )سواء كان شبابيا أم مكرسا(، من «تبعية قدرية » جعلته، بحسب الزعبي، يقع دائما في خانة الشبيه العاجز عن أن يكون هو.

يخلُص الزعبي من مجمل ما تقدم إلى أن الفن المحلي عموما والموسيقى على وجه الخصوص يعاني من مشاكل «ليس لها علاقة بالتقنية، بل لها علاقة بالوعي السائد »، ويختم بالإشارة إلى وجود فراغ في منطقة الريادة الأصيلة، ويذهب إلى أن الساحة المحلية تعاني من غياب الأسس التي يمكن أن يبنى عليها أي حراك منتج شبابيا كان أم مكرسا. ويرى الموسيقي طارق الناصر مؤسس

فرقة «رم »، أن الموجود من موسيقى القطاع الخاص مميز، ولكنه يحتاج إلى نضج، ويقول «النتاج العام فيه بحث عن شيء مميز، لكنه

يحتاج إلى مزيد من العمل على إتقانه وهي مسألة وقت .» يعتقد الناصر أن معظم الموجود يندرج ضمن هذا التصنيف، وهو «خلط ما بين القالب

الموسيقى الشرقي مع استخدام الآلات شرقية وغربية، خلط القالب الموسيقي الغربي مع الآلات غربية وشرقية ». ويرى أن هذه التجاربليست في الأردن فقط، بل في الوطن العربي والعالم عموما، «والاحتمالات كثيرة جدا إلا أنه يجب البحث عن صيغة محددة وإيجادها .» تسعى فرقة «شرق » بحسب أحد مؤسسيها وعازف العود والبزق فيها طارق الجندي «إلى إعادة أداء الأغاني والموسيقى العربية وطرحها بأسلوب جديد، وفي الوقت نفسه يحفظ هويتها المميزة، بالإضافة إلى تقديم مؤلفات خاصة بها .»

تسعى الفرقة كما يشير الجندي إلى الوصول إلى نقطيتين: «توسيع قاعدة الجمهور، وإبراز مختلف النواحي الجمالية في الموسيقى العربية في مختلف قوالبها، وذلك للتغلب على ما يتعرض له المستمع العربي من إهانة لذوقه الموسيقي من خلال ما يقدم له من موسيقى وأغانٍ مرئية ومسموعة لا يمتلك أصحابها أدنى متطلبات العمل الموسيقي، سواء في الغناء أو العزف أو اللحن أو التوزيع .»

يعرف بركات محاولات المزج التي تتبناها كثير من الفرق المحلية الشبابية بأنه «البحث عن عناصر مشتركة تضيف جماليات جديدة لتحقيق مزيد من التحليق الجمالي والريادة الإبداعية »، وهو لا يرى وجود حدود في الموسيقى الحاملة لغة عالمية، ويختم بأنه مع التجريب «بلا حدود.

الموسيقيون الشبان: حيرة بين الأصالة والتجديد
 
26-Feb-2009
 
العدد 65