العدد 59 - حتى باب الدار
 

ما يقرب من مائة عام على نهاية الحكم العثماني في بلادنا العربية، لم تكن كافية بالنسبة لنا لتجاوز المرحلة العثمانية، فيما تجاوز «العثمانيون» أنفسهم تلك المرحلة، ولم يحافظ غير العرب على الجوانب الرديئة من الموروث العثماني وبأدق المواصفات.

ومن المعروف أنه عندما يستمر حضور بعض الظواهر والمفاهيم في الثقافة الشعبية، فهذا يعني قوتها وعمقها وتجذرها في المجتمع، وهنا نلاحظ أنه ما زالت الممارسات العثمانية بعد تعريبها وتأصيلها باقية لليوم، بعد أن اخترقت وعي ثلاثة أجيال من العرب.

ففي موضوع السلطة ما زال العرب «رعايا» يتبعون لـ«جَناب الوالي» -الأميركي هذه المرة- ومن ينوب عنه من الأغوات والباشاوات، وما زلنا مدهوشين تجاه كل ما هو «إفرنجي» لأنه بالضرورة سيكون «برنجي» وما زلنا نفزع أمام الـ«تحصلدار» و«المأمور» ولم نتوقف عن الغناء لـ«بنت السلطان» وزوجته.

العرب يلقون باللائمة على الفترة العثمانية كسبب أساسي لتخلفهم وتراجعهم في العصر الحديث، وفي هذه الأثناء يخط الأتراك طريقهم نحو المستقبل على كل الأصعدة: الاقتصادية والعسكرية والثقافية، وأخيرا في تجربة ديمقراطية ونمط جديد من العلمانية ومن الحركات ذات المحتوى الإسلامي الذي يحترمه العالم رغما عنه.

الأتراك الآن يحرجوننا على الصعيدين الرسمي والشعبي، والمشكلة أننا بنينا جزءا من وجودنا المعاصر باعتبار أننا شركاء للغــرب بالقضاء على «رجل أوروبا المريض» وهو رجل تـــعافى كثـــيراً ويستعد الآن لإجبار كل الأصحاء على الاستماع إليه.

**

هيا بنا نُجعجع

اعتاد العرب في العقود الماضية على ممارسة صنف من النقد الذاتي، يتخذ شكلاً تهكمياً من مستوى شعبي، وذلك من خلال صيغة تقول: نحن العرب لا نستطيع شيئاً غير الكلام، أو أن الحكومات العربية «شُغُل حكي» أو «شغل جعجعة على الفاضي». وكلما انعقدت قمة عربية قلنا قبل عقدها إنها لن تكون أكثر من «نشجب ونستنكر»، ثم بعد عقدها نستنتج دقة تشخيصنا السابق، ونقول إنها لم تكن سوى «نشجب ونستنكر».

هذا بالطبع يعني أننا كنا نعتقد أن الكلام والجعجعة والشجب والاستنكار، أمور من اختصاص الضعفاء وكنا نطالب أن يكون هناك فعل.

لم يكن أي كلام يعجب الناس مهما كانت شدته أو صحته، وكان القادة العرب على كل المستويات ينهمكون كل مرة وهم يصيغون كلماتهم، بصوره يأملون أن تعجب أحداً بلا طائل، وكثيراً ما كانت بيانات القمم العربية تحتوي كلاماً قوياً بحق إسرائيل والاحتلال والمقاومة وأحياناً بحق أميركا، مع ذلك فإن كل هذا لم يكن عند الناس يتجاوز كونه حكياً، وكان الأميركيون يجدون الأعذار للقمم العربية ويتحملون كلامها ،ولا يطلبون تغييره ولا يعاتبون أحداً عليه.

الآن تغيرت الحال كثيراً، فحتى مجرد الكلام لم يعد مقبولاً من قبل الأميركيين، وصارت كلمات البيانات الرسمية تنتقى بعناية شديدة، ولم يَعُد مقبولاً انتقاد واشنطن ولو بشكل ودي ، وحتى ما يخص إسرائيل صار يتخذ صيغاً «بناءة» تحرص على «تشجيعها» و«حثها» على المزيد من الخطوات، وتدفعها لملاقاة اليد الممدودة.

في سياق موجات الحنين إلى الماضي السائدة هذه الأيام، سقا الله أيام الشجب والاستنكار والحكي الفاضي والجعجعة.

رجل أوروبا “المعافى”
 
15-Jan-2009
 
العدد 59