العدد 56 - حريات
 

دلال سلامة

هل كان الفلسطينيون في العراق مستهدفين بالعنف بعد سقوط النظام العراقي السابق لأنهم فلسطينيون؟ أم لأنهم ينتمون إلى الطائفة السنية؟

لم يقدم تقرير صدر في أيلول/سبتمبر 2006، عن منظمة هيومن رايتس ووتش إجابة محددة عن هذا التساؤل، ولكنه حفل، مع ذلك، بعدد هائل من حالات الخطف والقتل والتعذيب التي بدأت تطاول الفلسطينيين هناك بعد قليل من سقوط النظام السابق في العام 2003. هذه الممارسات دفعت أعداداً هائلة من فلسطينيي العراق إلى الفرار، لينخفض عددهم الذي كان يقدر قبل العام 2003 بنحو 34 ألف فلسطيني، وفق إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة للاجئين والسلطات العراقية، إلى 15 ألف فلسطيني في العام 2007.

كون الفلسطينيين من الطائفة السنية، هو أحد الأسباب التي جعلت منهم هدفاً للعنف الطائفي الذي ارتكبته ميليشيات طائفية شيعية، فقد كانوا جزءاً من حالة الاقتتال الطائفي التي انفجرت بعد سقوط النظام بين الشيعة والسنة، وهو عنف استمر لسنوات، وازدادت حدته بعد تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء في شباط/فبراير 2006، إلى أن أصدر المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله السيستاني في نيسان/أبريل 2006 فتوى تحرم مهاجمة الفلسطينيين وممتلكاتهم «حتى من كان منهم متهما بجريمة».

الفتوى التي التزم بها معظم الشيعة في العراق، لم تلتزم بها بعض الجماعات الشيعية المقاتلة، التي ترتبط برجال دين منافسين، مثل مقتدى الصدر.

ورغم أن الفلسطينيين أصروا على أنهم لم يشتركوا في الصراعات الداخلية التي تلت عملية سقوط النظام، فإن هذا لم يكن رأي الميليشيات التي كانت تهاجم أحياءهم وتوزع منشورات تهددهم بالقتل وتصفهم بـ«الفلسطينيين الخونة المتعاونين مع التكفيريين والوهابيين والغاصبين والبعثيين الموالين لصدام»، وهو اتهام وجهته إليهم جهات رسمية أيضا، فوزيرة الهجرة والمهجرين سهيلة عبد الجعفر، دعت وزارة الداخلية العراقية في مؤتمر صحفي عقدته في تشرين الأول/أكتوبر 2005 إلى «طرد الفلسطينيين الذين لجأوا إلى العراق إلى أرضهم في غزة»، وبررت الوزيرة دعواها بـ«تورطهم في الهجمات الإرهابية في العامين الماضيين»، وهو أمر لم تقم عليه الوزيرة أي دليل.

لكن الطائفية ليست هي التفسير الوحيد للعنف ضد فلسطينيي العراق، والحقيقة هي أن ما يوصف بـ«المكتسبات» التي نالوها في عهد صدام، هي أيضاً ما أثار العداء ضدهم، ولعل أبرز هذه «المكتسبات» هي نظام إسكانهم، فالعراق الذي كان واحداً من الدول التي استضافت اللاجئين الفلسطينيين بعد العام 1948، لم يوقع، حال الدول العربية الأخرى التي استقبلت لاجئين فلسطينيين على أراضيها، اتفاقية مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وفضل معالجة احتياجاتهم بنفسه، فوفرت لهم الحكومة العراقية مساكن مجانية مزودة بالخدمات الأساسية مثل: الماء، والكهرباء، وخدمات الصرف الصحي، وفي السبعينيات، عندما لم تعد هذه المساكن تفي بمتطلبات النمو السريع لهم، قامت الحكومة باستئجار منازل خاصة بهم، كانت تتولى، هي بنفسها، دفع إيجاراتها لمالكيها العراقيين.

لكن العقوبات الدولية التي فرضت على العراق في العام 1991 في أعقاب غزوه للكويت، أضعفت الاقتصاد العراقي وسببت تضخماً هائلاً، جعلت مالكي هذه المنازل ومعظمهم من الشيعة، يتقاضون مقابل عقاراتهم مبالغ أصبحت زهيدة مع ارتفاع مستويات التضخم، إذ لم تكن تتعدى في العام 2003 دولاراً واحداً في الشهر للمنزل الواحد. فإذا عرفنا أن القانون العراقي يمنع المالك من إنهاء عقد الإيجار من جانب واحد، فإننا نعرف حينذاك، أن هؤلاء المالكين فقدوا ميزة الاستفادة من عقاراتهم عملياً. وهذا ما جعلهم يتوجهون بعد أيام من سقوط صدام إلى أحياء الفلسطينيين مهددين إياهم بالقتل إن لم يخرجوا.

هذه الأحداث دفعت الفلسطينيين إلى الفرار خارج العراق، وما زالت في الأذهان مشاهد اللاجئين العالقين في مخيم الرويشد على الحدود الأردنية - العراقية الذي استقبل في العام 2003، 550 فاراً من الاقتتال، استقبلت السويد، وايرلندا، وتشيلي عدداً منهم، وأغلق في أيلول 2007، بعد أن استقبلت آيسلندا آخر دفعة من اللاجئين فيه.

إلى ذلك، فإن سورية التي سمحت في الفترة الواقعة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2005، وأيار/مايو 2006، بدخول 318 لاجئاً، نقلتهم إلى مخيم الهول في مدينة الحسكة شمال شرقي سورية، ترفض استقبال المزيد منهم.

الفلسطينيون الفارون من العراق الذين يشكلون آخر موجات الهجرة من بلاد الرافدين، يتواجدون الآن في ثلاثة مخيمات حدودية: مخيم الوليد داخل الحدود العراقية، حيث يتواجد ما يقارب 1900 لاجئ، و800 يتواجدون في مخيم التنف في المنطقة الفاصلة بين العراق وسورية، و318 في مخيم الهول داخل الحدود السورية.

ورغم أن هؤلاء جميعاً يقاسون ضروباً من المشقة، فإن أشدهم معاناة هم ساكنو مخيم التنف، فهذا المخيم الذي استقبل أول دفعة من اللاجئين الفارين من العراق في أيار/مايو 2005، يقوم على مساحة لا تتعدى كيلو متراً واحداً طولياً، على الطريق الدولي بين العراق وسورية، وهو أشبه بـ«سجن كبير»، بحسب المهندس ياسر غنام، رئيس لجنة فلسطين في مجمع النقابات، التي قام وفد منها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بزيارة إلى المخيم، فساكنو المخيم ممنوعون من الخروج إلا في حالات قاهرة مثل المرض الشديد، أما الوصول إليهم، فيحتاج إلى موافقات أمنية من السلطات السورية أو العراقية، بحسب المعبر الذي يمرّ منه القادم إليهم.

الظروف الجوية القاسية في تلك المنطقة الصحراوية، هي أحد أسباب المعاناة، حيث الحر الشديد والعواصف الترابية في الصيف، والبرد القارس والأمطار الغزيرة في الشتاء، وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي تسببت أمطار غزيرة في جرف خيام المعسكر التي تقع في منطقة منخفضة عن الشارع.

إلى ذلك، هناك صعوبة في توفير الاحتياجات اليومية من الطعام والشراب، فبحسب المهندس غسان دوعر، أحد أعضاء وفد النقابات الذي قام بزيارة المخيم، فإن المفوضية العليا للاجئين لا توفر سوى كميات ضئيلة جدا من الطعام، فلا يحصل الشخص على أكثر من نصف كيلو أرز، وحبتين من الفاكهة، ونصف دجاجة شهرياً. ويقوم اللاجئون بشراء احتياجاتهم من سائقي الشاحنات المارة بالطريق الدولي، حيث ينفق نزلاء المخيم مدخراتهم التي تتآكل بسرعة في شراء احتياجاتهم. بالإضافة إلى معونات يحصلون عليها من رابطة فلسطينيي العراق، وجهات إنسانية أخرى، انضم إليها مجمع النقابات المهنية مؤخراً عندما نظم في أعقاب الزيارة حملة شعبية لجمع التبرعات.

وثمة معاناة صحية أيضاً يقاسيها سكان المخيم الذين يتلقون زيارة يومية من طبيب تابع للهلال الأحمر الفلسطيني، فقد شهدوا عدة حالات وفاة مأساوية، حيث توفي طفلان دهساً على الطريق الدولي، أحدهما في الرابعة عشرة كان يحاول الحصول على الماء من سائق شاحنة، كما توفي شاب مريض بالكلى في الطريق إلى المستشفى، كما توفيت امرأة مصابة بالسرطان، لم تكن تتلقى العلاج المناسب.

سكان المخيم انخفض عددهم من 1150 إلى 800، بعد أن استقبلت عدداً منهم، دول مثل: آيسلندا، وتشيلي، وآيسلندا، وكندا، والسويد، وقد رفضت المفوضية العليا للاجئين عرضاً تقدم به السودان لاستقبالهم، بسبب مخاوف أمنية، وبخاصة بعد أن وجهت المحكمة الدولية تهما جنائية للرئيس السوداني عمر البشير، فقد رأت المفوضية أن «نقلهم من وضع مهمش إلى وضع مهمش آخر» لن يكون حلاً لمشكلتهم.

وقد وجهت لسورية العديد من الدعوات لاستقبال هؤلاء اللاجئين ولكن من دون جدوى، فقد أعربت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، عن دهشتها من «قيام سورية بمنح اللجوء لأكثر من مليون عراقي، ثم إغلاقها حدودها في وجه مئات من الفلسطينيين الفارين من العراق أيضاً».

لكن سورية التي استقبلت في العامين 2005 و2006 نحو 300 لاجئ فلسطيني من العراق، وأسكنتهم مخيم الهول في منطقة الحسكة، تقول إن أكثر من مليون لاجئ عراقي على أراضيها يشكلون عبئاً كافياً.

مخيم التنف لفلسطينيي العراق: سجن كبير على طريق دولي
 
25-Dec-2008
 
العدد 56