العدد 55 - دولي
 

صلاح حزين

لم يكن أحد في اليونان أو أوروبا يتوقع أن يؤدي مصرع ألكساندروس غريغوروبولوس، باعوامه الخمسة عشر، على أيدي رجال الشرطة المحلية إلى "انتفاضة" دخلت أخيرا أسبوعها الثاني. فعنف رجال الشرطة اليونانيين معروف لدى المواطنين جميعا، والمنطقة التي قتل فيها الشاب، وهي منطقة مليئة بالمقاهي الفقيرة التي يتجمع فيها فوضويون ومثقفون وشبان عاطلون عن العمل، كانت على الدوام هدفا للشرطة المعروفة بقسوتها والتي يتردد أن بعض القوى الفاشية اليونانية، مثل منظمة الفجر الذهبي اليمينية، متغلغلة فيها.

ومع ذلك فإن ما تقدم عاجز عن تفسير اندلاع "الانتفاضة اليونانية" التي استقطبت الشبان الذين تراوح أعمارهم حول العشرين عاما، والذين ربطوا تلقائيا بين عنف الشرطة وما يتردد عن فسادها، وبين فساد الحكومة اليمينية التي يرأسها كوستاس كرامنليس والتي تحفل صحف اليونان بقصص عن فسادها ويمينيتها وعنصريتها. وقد ذكرت غير صحيفة يونانية بأن عنف الشرطة الذي ذهب ضحيته طفل في الخامسة عشرة من عمره لم يبرز إلى المقدمة إلا بعد أن طاول طفلا يونانيا، وذلك بعكس ما كان يحدث سابقا حين كان يسقط بعض الأجانب برصاص الشرطة، فكراهية الأجانب باتت تجارة يمينية رابحة وهنالك من يهدر دمهم، مثل حزب التجمع الأورثوذكسي اليميني الذي تمكن في الانتخابات الأخيرة من الحصول على عشرة مقاعد في البرلمان لأول مرة في تاريخه.

مقتل "ألكسي" إذن، لم يكن غير الشرارة التي أطلقت كل هذا السخط المكبوت على سياسات الحكومة التي تتمتع بأغلبية صوت واحد في البرلمان، والتي تكرس جهدها لمصلحة الطبقات العليا في المجتمع والتي تكن عداء واضحا لليسار ممثلا في الحزب الشيوعي اليوناني الذي يحظى بنفوذ كبير في المنطقة التي شهدت حادث إطلاق النار على الفتى، والحزب الاشتراكي اليوناني بقيادة جورج باباندريو، الخصم اللدود لكرامنليس.

وقد كان موحيا أن استطلاعا للرأي أجرته صحيفة كاثيمريني اليونانية أظهر أن أغلبية اليونانيين يعتقدون أن أحداث العنف التي شهدتها البلاد لم تكن مجرد رد فعل على مقتل فتى، وأن نحو 60 في المئة أعربوا عن اعتقادهم بأن ما حدث كان انتفاضة اجتماعية، وأن 64 في المئة منهم قالوا إن الشرطة غير مجهزة للتعامل مع هذه الانتفاضة.

وقد جاء الرد على التساؤل الأخير بعد أن أعلنت الشرطة عن حدوث نقص في مخزونها من قنابل الغاز المسيل للدموع، وأنها بدأت في طلب إمدادات منها من ألمانيا الغربية وإسرائيل.

عنف الشرطة وفساد الحكومة وعجزها عن حل مشاكل البلاد، وسخط الشباب اليوناني الذي وجد نفسه يتلقى وعودا فارغة من الحكومة بتغيير النظام التعليمي، والفراغ الذي يعانيه الشباب الذي يجد فرصه في الحصول على العمل تتقلص يوما بعد يوم، وبخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية هو الذي أطلق عنان الانتفاضة الأخيرة. لم يكن غريبا أن يطلق الشباب اليوناني على نفسه اسم "جيل 700 يورو"، في إشارة إلى الأجر الذي يتوقع طلبة الجامعات اليونانية الحصول عليه بعد تخرجهم.

وقد جعل ذلك كله مقتل "ألكسي" على هذه الصورة اللامبالية الشرارة التي أطلقت سخط الشباب اليوناني من عقاله، وبخاصة أن الحادث جاء بعد أسابيع من تطرق صحف يونانية إلى آخر فضيحة في مسلسل فضائح الحكومة اليمينية والمتعلقة بمبادلة أراض في منطقة ماونت آثوس بما قيمته 100 مليون يورو ذهب القسم الأكبر منها إلى جيوب ثلاثة من مساعدي رئيس الوزراء، وكانت روائح الفساد قد أزكمت الأنوف مع تنظيم دورة الألعاب الأوليمبية في البلاد عام 2004، بكلفة ناهزت 10 بلايين يورو ذهب قسم كبير منها إلى جيوب المنتفعين من سياسيين ومتعهدين.

كما قامت الحكومة بعمليات خصخصة شملت بعض الموانيء، وأعلنت عن خطط لخصخصة المدارس والمستشفيات في بلد يعاني فيه خمس سكانه من الفقر وتناهز فيه نسبة البطالة بين الشباب 25 في المئة، وهي النسبة الأعلى في أوروبا.

وقد كان هذا ما دفع أكبر اتحادين عماليين في البلاد إلى دخول ساحة المعركة والدعوة إلى إضراب عام والمطالبة بمزيد من الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، ما زاد من حدة المواجهات في العاصمة أثينا في صورة خاصة.

وقد كان ملاحظا أن الأيام الأولى من التظاهرات التي شهدتها العاصمة أثينا، وكذلك سالونيكا، ثاني أكبر مدن اليونان، تخللتها أعمال نهب، وشغب وذلك نتيجة دخول الفوضويين اليونانيين إلى الساحة، والذين رأوا في التظاهرات والاحتجاجات فرصة لثورة قريبة تودي بالحكومة، وتحت تأثير فوضويي اليونان رفع أكثر الشعارات جذرية، وهو المطالبة برحيل الحكومة. غير أن ذلك كله خفتت وتيرته مع دخول قطاعات أخرى من اليونانيين ساحة المعركة، ولكن من خلال المسيرات السلمية، وليس من خلال أعمال العنف، ولم يكن هؤلاء الذين دخلوا الساحة متأخرين سوى مواطنين من أجيال أكبر سنا هم اليوم في سن آباء وأمهات الشبان الذين ملأوا شوارع أثينا وساحاتها، وقد نزلوا الساحة بدافع قلقهم على مصير أبنائهم غير المضمون، تماما مثل مصيرهم هم الذين خاضوا معارك لا تقل ضراوة مع حكومات يمينية سابقة لتأمينه، وبخاصة في العام 1973، وهي فترة حكم ديكتاتوري عرف بحكم الكولونيلات السود الذين تولوا الحكم بعد انقلاب عسكري قاموا به في العام 1967، ولم يتركوا الحكم إلا في العام 1974، بعد ارتكابهم حماقة دعم انقلاب فاشي في قبرص أطاح بالزعيم آنذاك، المطران مكاريوس، وهو ما أدى إلى تدخل تركيا في قبرص واحتلال الجزء الشمالي منها، وهو ما زال محتلا حتى الآن.

وعليه ففي صورة ما، يمكن اعتبار انتفاضة الشباب اليوناني امتدادا لانتفاضات سابقة شهدتها البلاد منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فمن المعروف أن تاريخ اليونان منذ تلك السنوات، هو تاريخ انتفاضات وانقلابات عسكرية وحكم فاشي. فاليونان كما تقول

الكاتبة اليونانية ماريا مارغارونيس هو البلد الأوروبي الوحيد الذي كوفيء فيه المتعاونون مع دول المحور وعوقب فيه رجال المقاومة، وبعد هزيمة اليسار اليوناني، الذي كان له الفضل في تحرير اليونان من الاحتلال الفاشي في الحرب العالمية الثانية على أيدي أميركا وبريطانيا، اندلعت حرب أهلية استمرت سنوات وكانت نتيجتها كارثية على المجتمع اليوناني الذي كان عليه بعد ذلك أن يعيش معظم سنواته اللاحقة في ظل فاشيات عسكرية أو حكومات يمينية مثل تلك التي تحكمه اليوم.

انتفاضة اليونان: عنف الشرطة، فساد الحكومة وخيبة أمل الشبّان
 
14-Dec-2008
 
العدد 55