العدد 55 - كتاب
 

لماذا لا تتاح للمواطن العربي فرصة الاطلاع على تاريخ الإنسانية وثقافاتها وعلومها إلا من وجهات نظر محددة مسبقاً ومؤطرة بإيحاءات سياسية أو أيديولوجية–عقائدية؟

ولماذا لا تتاح لهذا المواطن فرص المواجهة مع التاريخ بكل أخطائه وإخفاقاته ليعرف مسار حاضره؟ فهو لا يرى من تاريخه سوى الأمجاد والانتصارات، وتُحجب عنه كبوات التاريخ وفواجعه وهزائمه، مع أن التاريخ لم يكن قطّ فوزاً متصلاً وفتوحات ومعارك مقدسة وجهاداً كما تقدمه المناهج التعليمية والإعلام المسيّس.

لماذا يُحرم المواطن العربي من معرفة منابع المعرفة التي أسهم في كشوفاتها أسلافه المتنورون وسواهم من عباقرة الأمم على مر العصور، ويتعرف إليها في متاحف العلوم المتخصصة، بينما تقدم له وسائل الإعلام والمناهج ما يغيّبه عن الوعي ويدفع به إلى خدر الرضا بما يريد القضاء، وتضعه في مرتبة المستكين والمتلقي السلبي العاجز عن المشاركة في صنع مفردات الحياة مع الحشد البشري في جهات الأرض؟

هل نحلم يوماً أن يكون لدينا متحف لتاريخ الأديان، كما الشعب السويسري متعدد القوميات والأعراق، متحف يطرح الأسئلة ويبحث عن إجابات تتعلق بمبررات الحروب والمهالك التي تسببت بها الصراعات الدينية بين المذاهب ونتائجها على الشعوب والحضارة الإنسانية؟

وهل نحلم أن تفتح متاحف الفن للجميع وتقدم المحفزات للسمو بالذائقة الإنسانية وتدريب العين على التمتع بالجمال والحياة والحلم؟ وهل نحلم بمتاحف تفاعلية للإبداع لا توجد فيها لافتات «ممنوع اللمس»؟

هل نجرؤ على الحلم أصلاً؟ ربما.. من يدري، فقد يخفت ضجيج الحروب وهرطقات الإعلام العربي، ويتوقف زعيق الغناء السمج، ونجد متسعاً من الصمت لحقّنا المشروع في التفكّر والحلم وإشغال العقل.

في الربيع الفائت كنت على موعد في مدينة بيرن مع مهرجان سنوي يقام منذ خمسة أعوام في المدن الرئيسية، حيث تتوزع الأنشطة الثقافية بين زيورخ وبيرن ولوسيرن وجنيف ولوزان.

«ليل المتاحف» مهرجان للثقافة تباع فيه بطاقة موحدة بسعر مخفض، لزيارة جميع المتاحف والمراكز الثقافية، وبخاصة تلك التي لا تفتح أبوابها عادة للعموم، وبوسع المتابع زيارة أكبر عدد من المتاحف التي تبقى مشرَعة الأبواب حتى الفجر، لمشاهدة الفعاليات الثقافية في الساحات العامة.

«ليل المتاحف» يغمر المدن بأضواء قزحية، فلكل مؤسسة إضاءة تميزها في هذه الليلة الثقافية بامتياز، وتدشن الفعاليات في ساحة البرلمان التي تطل عليها البناية التاريخية للبرلمان الاتحادي السويسري، وهي ساحة تُستخدم خلال أيام الأسبوع سوقا لباعة الزهور والنباتات والأجبان والخضار، حيث تقام منصات مؤقتة لعرض السلع والمنتجات الزراعية أمام البرلمان: امتزاج واقعي وديمقراطي بين متطلبات الحياة اليومية من صحف وزهور وأطعمة، وبين إدارة الحياة السياسية ومناقشة قضايا البلد الاتحادية وإقرار القوانين والمشاريع التي تعرضها إدارات الكوميونات الاتحادية، وفي «ليل المتاحف» تنهمر الأضواء الملونة على مباني المتاحف ومراكز الثقافة، فهذا مبنى البرلمان المفتوح للزوار تضيء جناحيه أنوارٌ صفراء، بينما تشع مداخله وأقواسها باللون الوردي الساطع، ويتوهج بيت «آينشتاين» بالوردي والأزرق والأصفر، وتضاء واجهات المكتبة الوطنية باللون الأحمر، ومتحف تاريخ الفيزياء باللونين الأزرق والأحمر، وتتوهج جوهرة العمارة –مركز الفنان «بول كلي»- باللون الوردي الصاخب، ومكتبة جامعة بيرن باللون البرتقالي.

متاحف وموسيقى ومسرحيات ورقص ونقاشات وكتب حديثة على مدار ليلة صارت تقليدا سنويا للتحريض على المعرفة ومساءلة العلم والتاريخ للوقوف على إمكانيات الحاضر واحتمالات الغد.

لطفية الدليمي: لماذا لا نواجه إخفاقات التاريخ؟
 
14-Dec-2008
 
العدد 55