العدد 54 - اقليمي
 

داليا حداد

بعد ثمانية أشهر من مفاوضات مضنية بين الجانبين العراقي والأميركي، لعقد اتفاقية تنظم الوجود العسكري الأميركي في العراق، أقر مجلس النواب العراقي في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق، بأغلبية بلغت 149 صوتاً، من بين 198 عضواً حضروا الجلسة، مقابل 35 صوتاً معترضاً هي مجموع أصوات التيار الصدري مع 6 نواب آخرين كان من بينهم النائب المستقل حسين الفلوجي، والأمين العام السابق لحزب الفضيلة نديم الجابري، الذي امتنعت كتلته عن الدخول إلى قاعة البرلمان والتصويت.

رئيس كتلة الفضيلة حسن الشمري قال لصحيفة «الخليج» الإماراتية إن كتلته ستدعم الحكومة في معالجة أية خروقات قد تحدث أثناء تنفيذ بنود اتفاقية انسحاب القوات الأميركية، مبيناً أن سبب عدم المشاركة في جلسة التصويت يعود إلى «عدم وجود ضمانات» لتنفيذ بنود الاتفاقية، وعدم وجود وضوح لآلية الاستفتاء عليها بعد أن تم تمريرها بصفقات سياسية. أما نواب التيار الصدري فقد اتشحوا بالسواد خلال المؤتمر الصحفي عقب جلسة التصويت لإقرار الاتفاقية، حيث قال النائب عن الكتلة عقيل عبد الحسين إن الكتلة ستستخدم جميع الوسائل الدستورية والقانونية للطعن في التصويت على الاتفاقية، مبيناً أن هذه الاتفاقية غير ملزمة إلا لمن صوتوا لصالحها. اعتبر عبدالحسين، حسب وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء، أن «ما جرى يخالف الأعراف الدولية والدستور العراقي، وهذه خطط بعض النواب لتمرير الاتفاقية التي نظمت بصورة متسرعة من خلال إشاعة روح الخوف في أجواء المفاوضات»، وزاد «بدأنا مرحلة الانتداب وليس الانسحاب، قوات الاحتلال ستبقى في العراق لأمد طويل عكس ما ذكر في الاتفاقية بأن آخر جندي سينسحب العام 2011»، مشيراً إلى أن الاتفاقية «ستسمح للقوات المحتلة بممارسة الانتهاكات، وسرقة الأموال العراقية، وستفسح المجال لبث قيم الانحلال ومحاربة الدين الإسلامي». أما القائمة العراقية (إياد علاوي) فرأت في التصويت شراً لا بد منه لإبعاد «شبح الصوملة» عن العراق.

تشكل الاتفاقية منعطفا في الحياة السياسية، إذ تفتح رغم اية ملاحظات عليها أفقا سياسيا وتعيد صوغ المعادلات الداخلية على أسس جديدة. وبخاصة انها أجابت على المطلب الذي طالما تقدمت به قوى وتيارات مختلفة بما فيها تيار المقاومة لجدولة انسحاب القوات الأجنبية وفق خطة معلنة وملزمة وغير مرتبط تطبيقها بأية ظروف قد تستجد.

في بغداد رحب بيان مشترك صدر عن السفير الأميركي رايان كروكر، وقائد القوات الأميركية الجنرال ريموند أوديرنو «بموافقة مجلس النواب العراقي على اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية مع التطلع إلى تصديق مجلس الرئاسة العراقي على هذا التصويت».

من الأصداء الأخرى لهذا الحدث، ما ذكره مستشار الشؤون الثقافية والإعلامية في السفارة الأميركية في بغداد السفير آدم ايرلي، بأن الاتفاقية «تتميز عن كافة الاتفاقيات التي ابرمتها الولايات المتحدة مع دول العالم في كونها معلنة على الشعب العراقي». وقال في حديث مع «راديو سوا»: «هذه الاتفاقية فريدة من نوعها، لدينا تاريخ طويل من العلاقات والاتفاقيات والتحالفات مع بلدان اخرى، لكن الموضوع الأكثر أهمية في هذه الاتفاقية أنها معلنة، صوت عليها ممثلو الشعب العراقي، وليس لدينا أية اتفاقية أمنية مع أي بلد بهذه الطريقة الواضحة، وليس فيها أي بنود سرية، ويستطيع أي شخص الاطلاع عليها».

الاتفاقية التي تغير اسمها عبر المفاوضات من «اتفاقية أمنية» الى «اتفاقية سحب القوات»، بعد مصادقة مجلس الرئاسة العراقي عليها، وفق ما ينص عليه الدستور، يفترض أن تحل مكان التفويض الذي منحته الأمم المتحدة للقوات متعددة الجنسيات، الذي ينتهي مفعوله نهاية العام الجاري.

وكان التصويت على الاتفاقية أُجل عدة مرات، في أجواء مفاوضات قاسية بشأن مطالب بعض الكتل السياسية في البرلمان (خاصةً جبهة التوافق السنية)، التي كانت بعيدة عن أجواء التفاوض مع الأميركيين. ربطت هذه المطالب بين الموافقة على الاتفاقية وقضايا أخرى مثل إجراء استفتاء عام عليها في العام المقبل، والإسراع بالإفراج عن معتقلين معظمهم من السُنة ألقى القبض عليهم جنود أميركيون في ذروة العنف الطائفي، والعمل على تحقيق توازن بين سلطات الحكومة وقوات الأمن، وإلغاء المحكمة الدستورية، وقانون المساءلة والعدالة، وهو المختص» باجتثاث البعث ومقاضاة أعضاء حزب البعث المنحل»، الذي كان يحكم العراق خلال فترة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. هذه المطالب لم تُقبل كلها من قبل الائتلاف الحاكم، الذي يتزعمه الائتلاف العراقي وشريكه التحالف الكردستاني، وبخاصة المطلبان المتعلقان بإلغاء المحكمة الدستورية، وقانون المساءلة والعدالة. وقد أثمر النقاش عن توقيع وثيقة إصلاح في الجلسة نفسها التي أقرّ فيها البرلمان الاتفاقية، تتضمن تعهداً من جميع القوى المشاركة في الحكومة وخارجها الالتزام بالدستور، وألاّ يحسم الخلاف داخل الحكم بفرض الرأي الواحد، إنما باللجوء إلى المؤسسات، وعرض الاتفاقية على استفتاء شعبي في حزيران المقبل، وتأكيد ولاية العراق القضائية على القوات الأجنبية، والحفاظ على أموال العراق وإخراجها من البند السابع، وعدم زج القوات الأميركية والعراقية في الصراعات الداخلية، وتعديل الدستور، وإطلاق سراح المعتقلين، حيث هناك ما يقارب 40 ألف معتقل في السجون الأميركية والحكومية، وضمان وحدة العراق وعدم تقسيمه، وإنهاء ملف المهجرين، واستيعاب «قوات الصحوة» في أجهزة الحكومة، والتوقف عن ملاحقتهم واستيعاب المجموعات المسلحة التي ألقت السلاح في العملية السياسية.

وفي ما يشبه التحذير الموجه للقوى السياسية الرافضة للاتفاقية لحملها على تغيير موقفها،قال وزير الدفاع العراقي عبد القادر محمد العبيدي قبل خمسة أيام من مصادقة البرلمان على الاتفاقية «إن أي بديل عن الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة هو أسوأ من الاتفاقية نفسها»، محذراً من أن الخليج العربي «سيصبح مرتعاً للقراصنة مثل خليج عدن اذا انسحبت قوات التحالف بشكل مفاجىء».

وقال الوزير في مؤتمر صحفي مع وزير الداخلية العراقي جواد البولاني إن «الاتفاقية هي خطة انسحاب مبرمجة مع توقيتات زمنية محددة تؤمن انسحاب القوات العسكرية، وتسلم المواقع الأمنية بشكل آمن للعراقيين». وأوضح أنه، بعيداً عن الطرح السياسي، يعتقد بأن الاتفاقية ستفتح فرصاً تاريخيةً أمام العراق. وأكد الوزير أنه في حال عدم توقيع الاتفاقية وحدوث «انسحاب مفاجىء سيتوجب أن نعلن حالة طوارىء» مضيفاً أن «هناك دولاً تقصف يوميا العراق لكن بحدود، نتيجة وجود نظرية الردع بالشك، رغم وجود قوات التحالف في البلاد، وفي حال عدم وجودها ننتظر أن يضرب العراق من أقاصي الشمال إلى أدنى الجنوب» دون أن يحدد هذه الدول.

وفي سياق ردود الأفعال على توقيع الاتفاقية رأت وكالة رويترز الدولية للأنباء أن الفائز الأكبر من تمريرها ربما يكون رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي قالت إنه «فاوض بشراسة للحصول على أفضل شروط ممكنة، وفي مقدمتها تحديد جدول زمني لسحب القوات الأميركية»

يبقى أن الاتفاقية وبصرف النظر عن ملاحظات المعترضين وحتى بعض من صوتوا لصالحها، تمثل انتصارا للعملية السياسية الجارية، وقد وضع الموقف منها حداً للانشطار الطائفي، وذلك بموافقة السنة السياسية مع الشيعة السياسية عليها باستثناء كتلة الصدر وممانعة كتلة «الفضيلة».

**

أهم بنود الاتفاقية

- تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي العراقية في موعد لا يتعدى 31 كانون الاول/ ديسمبر عام 2011 ميلادي.

- تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة المقاتلة من المدن والقرى والقصبات العراقية في موعد لا يتعدى تاريخ تولي قوات الأمن العراقية كامل المسؤولية عن الأمن في اي محافظة عراقية، على أن يكتمل انسحاب قوات الولايات المتحدة من الأماكن المذكورة أعلاه في موعد لا يتعدى 30 حزيران/ يونيو عام 2009 ميلادي.

- تتمركز قوات الولايات المتحدة المقاتلة المنسحبة في المنشآت والمساحات المتفق عليها التي تقع خارج المدن والقرى والقصبات والتي سوف تحددها اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية.

- تعترف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت. وتعترف حكومة العراق بالحق السيادي للولايات المتحدة في سحب قواتها من العراق في أي وقت.

- عند نشوء أي خطر خارجي او داخلي ضد العراق أو وقوع عدوان ما عليه، يقوم الطرفان، بناء على طلب من حكومة العراق، بالشروع فوراً في مداولات استراتيجية، وفقا لما قد يتفقان عليه فيما بينهما، وتتخذ الولايات المتحدة الإجراءات المناسبة، والتي تشمل الإجراءات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو أي إجراء آخر، للتعامل مع مثل هذا التهديد.

-لا يجوز استخدام أراضي ومياه وأجواء العراق ممراً أو منطلقاً لهجمات ضد دول اخرى.

- يكون للعراق الحق الأولي لممارسة الولاية القضائية على أفراد قوات الولايات المتحدة، وأفراد العنصر المدني بشأن الجنايات الجسيمة والمتعمدة، وطبقاً للفقرة الثامنة حين ترتكب تلك الجنايات خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج حالة الواجب.

- لا يجوز لقوات الولايات المتحدة توقيف أي شخص أو إلقاء القبض عليه (باستثناء التوقيف أو إلقاء القبض على عضو من قوات الولايات المتحدة أو العنصر المدني) إلاّ بموجب قرار عراقي.

- لا يجوز لقوات الولايات المتحدة تفتيش المنازل أو العقارات الأخرى إلاّ بموجب أمر قضائي عراقي يصدر في هذا الصدد وبالتنسيق الكامل مع السلطات العراقية المختصة، باستثناء الحالات التي تدور فيها عمليات قتال فعلية.

- مع إنهاء العمل يوم 31 كانون الاول/ ديسمبر 2008 بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى البند السابع المتضمن في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1790 (2007)، ينبغي أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990).

- دعم العراق لإعفائه من الديون الدولية.

مصادقة على اتفاقية “تاريخية” لسحب القوات الأجنبية من العراق
 
04-Dec-2008
 
العدد 54