العدد 52 - أردني
 

دلال سلامة

من يستقل إحدى الحافلات المتجهة من مجمع المهاجرين في عمان إلى الأغوار الجنوبية، يخيّل إليه أنها تتبع أحد خطوط النقل في القاهرة، وبالسير يوم جمعة في سوق الخضار في إربد، يثير الانطباع أن الحي صيني، أما مجمع باصات الزرقاء يوم جمعة، فيبدو كجزء من سريلانكا، فيما يتحول شارع البحتري في حي المصاروة في جبل عمان، يومي الأحد والجمعة إلى حي فلبيني.

هذه الأعداد من العمالة الوافدة التي تقيم بيننا، والتي أفادت إحصاءات السنة الماضية بأنها تبلغ 313962 عاملا وعاملة مسجلين لدى وزارة العمل، يثير وجودها السؤال التالي: هؤلاء الذين تدفقوا بهذه الأعداد، وشكلوا ظاهرة لسنوات طويلة، هل اندمجوا في مجتمعنا؟ هل أثروا فينا، وهل دخلوا بطريقة ما في نسيجنا الاجتماعي؟

يبدو أن ذلك حدث ظاهريا فقط، إذ نقل هؤلاء كثيرا من عاداتهم المميزة إلى شوارعنا، ففضلا عن تجول الكثير منهم في أيام العطل بملابسهم التقليدية المزركشة، والتي تشير إلى تحرر نسبي تعيشه بلدانهم، مثل تلك التي ترتديها الصينيات مثلا في أماكن محافظة مثل إربد، تضفي، في واقع الأمر، تنوعا على مشهد الأزياء التي ترتديها نساء بلادنا، التي يسود فيها الحجاب.

لكن هل يعني ذلك كله أنهم اندمجوا؟

ليست الإجابة صعبة، فهم في أماكن تجمعاتهم في إربد والزرقاء وعمان والأغوار يسيرون دائما في جماعات مغلقة، ولا يسيرون مع مواطنين أردنيين. وفي حالات نادرة جدا قد يسير شاب في إربد مع فتاة صينية، أو في عمان مع فلبينية.

ماري مثالاً على فشل الاندماج بالنسبة للجالية الفلبينية على الأقل، فالشابة البالغة من العمر 23 عاماً، التي تقيم في عمان منذ سنتين تقريبا حيث تعمل ممرضة، ليس لها أصدقاء أردنيون نهائيا: "أكثر ما صدمني عندما جئت إلى هنا، هو أن معظم الشبان كانوا يعاملونني وكأنني "شخص متاح"، وهذا جعلني أنغلق، فكل علاقاتي محصورة داخل المستشفى، أما صداقاتي وأنشطتي الاجتماعية بعد العمل فإنني أمارسها فقط مع فلبينيين."

خلال سنتي العمل التي قضتهما ماري في الأردن، لم تدخل منزل عائلة أردنية سوى مرة واحدة، عندما دعتها زميلة لها في المستشفى إلى حفل زفافها.

رافا، سريلانكية تعمل في مصنع ألبسة، تقول إنها وزميلاتها يواجهن الكثير من المضايقات عندما يسرن في الشارع ، فيتعرضن للسخرية والاستهزاء، ربما كان الزواج، هو المعيار الحقيقي الذي يقاس به اندماج الشعوب مع بعضها بعضا. ووفقا لدائرة الأحوال المدنية فإن عدد حالات الزواج المختلطة بين وافدات ووافدين وأردنيات أو أردنيين لا تشير إلى اندماج كبير بالنظر إلى الحجم الكبير للعمالة الوافدة والفترة الزمنية الطويلة نسبيا التي قضتها هذه العمالة في البلاد، التي تناهز الثلاثين عاما.

أبو أحمد، سائق تاكسي من سكان حي المصاروة، يعتقد بوجود خلل ما في معظم الحالات التي يتزوج فيها أردني أو أردنية من شخص ينتمي إلى هذه الجنسيات بالتحديد، أي جنسيات العمالة الوافدة: "أعرف كثيرا من حالات الزواج المختلط هنا، وأعرف أن هناك دائما مصلحة ما وراءها."

بهجت، مصري يعمل في الدهان ويقيم في الأردن منذ ثلاثين سنة، وهو متزوج منذ عشرين سنة من أردنية أنجب منها ثمانية أطفال، أكبرهم في السابعة عشرة، وأصغرهم في الرابعة. يقول جيران بهجت إن الزوجة "على البركة، ولم تكن لديها فرصة أبدا في الزواج بشكل طبيعي."

هذه النظرة المتشككة لزواج الأردني أو الأردنية من شخص ينتمي إلى العمالة الوافدة، أكد عليها سعد، وهو صاحب محل هواتف خلوية في الأغوار الجنوبية، فسعد الذي يعرف الكثير من حالات الزواج المختلط، وجلها في منطقته، هي زواج أردنيات بعمال مصريين يعملون في المزارع، يؤكد أن هذه الزيجات قائمة على المصلحة: "كل اللواتي تزوجن أعرفهن تماما، إما فتيات تجاوزن سن الزواج ولم تعد لديهن فرصة للزواج، أو فتيات ينتمين إلى عائلات فقيرة جدا وكبيرة العدد، عندها تصبح المسألة هي التخلص من فم إضافي. أما بالنسبة للعامل فالهدف هو الحصول على الإقامة."

وكثيرا ما يستشهد المعارضون للزواج من عمال وافدين لحالات فشل مثل حالة رحاب التي تزوجت قبل سبعة عشر عاما من عامل مصري وأنجبت منه طفلين، ثم غادر الزوج إلى بلده بعد ثلاث سنوات، مخلفا وراءه الطفلين اللذين لم يريا والدهما طوال هذه السنين.

زواج المصلحة هو أيضا طابع زيجات كثير من الشباب الأردنيين من فلبينيات، أو هي على حد قول البعض زيجات "طياري"، بمعنى أنها لا تهدف حقيقة إلى تكوين أسرة، بل هي عملية تبادل مصالح بين الفلبينية التي تنال إقامة، والأردني يقترن بزوجة لا تكلفه شيئا.

وهذا ما ذكره محمد العقرباوي الذي قال إنه أسوة ببعض أصحابه يبحث عن عروس فلبينية، فهي على حد قوله جميلة ولا تطلب مهرا ولا ذهبا ولا تكاليف زفاف، وتسهم بنصف تكاليف الحياة.

اندماج العمالة الوافدة في المجتمع: زواج المصلحة هو الغالب
 
20-Nov-2008
 
العدد 52