العدد 45 - أردني
 

يوسف منصور

يقدر حجم المبالغ التي استثمرت لدى شركات البورصة الأجنبية بما يزيد على 500 مليون دينار، قدمها آلاف المواطنين، بعد أن رهن بعضهم بيته أوعقارا يملكه من أجل الاستثمار لدى هذه الشركات، ما أدى إلى هبوط حاد في أسعار الاراضي في المناطق الشمالية من المملكة، كما أثرت في سوق عمان المالي التي خسرت مئات الملايين من الدنانير.

إذا أردنا توصيف الوضع الحالي، فقد شهدت مكاتب الشركات المتعاملة بالبورصات الأجنبية تهافتاً كبيراً في الآونة الأخيرة من قبل مواطنين كانوا قد أودعوا لديها مبالغ مالية كبيرة، مطالبين بأرباحهم وأموالهم، وذلك بعد توقف بعضها عن توزيع الأرباح منذ نحو شهرين، فيما قام بعضها بإغلاق أبوابها. كما قام بعض الشركات بالمماطلة في الدفع ولم يقم بتسليم أموال للمودعين، في حين واصل بعض المكاتب والشركات عمله بانتظام، مواصلين صرف الفوائد وإعادة رأس المال للراغبين.

على الصعيد التشريعي قامت الحكومة، حتى تاريخه، بتحويل 18 من هذه الشركات الى المدعي العام، وأصدرت قانونا جديد للتعامل بالبورصات العالمية، وطالب مستثمرون في هذه الشركات بالإسراع في إصدار الرخص لهذه الشركات، كما طالبوا الحكومة بالتدخل السريع لحماية حقوقهم.

ويعتقد البعض أن لجوء بعض الشركات العاملة في الاستثمار في البورصات العالمية الى تصفية أعمالها جاء بهدف التخلص من تبعات تطبيق القانون المؤقت لتنظيم عمل الشركات المتعاملة بالبورصات الأجنبية، والذي يتطلب منها عمل تراخيص جديدة وجملة من الإجراءات القانونية لتنظيم عملها، ومن شروطه أيضا رفع رأس مال الشركة التي تسجل بوصفها شركة ذات مسؤولية محدودة إلى 10 ملايين دينار، وتلك التي تسجل بوصفها شركة تضامن إلى 5 ملايين دينار، وبحسب متطلبات قانون الشركات، فإن على كل شركة من هذا النوع أن ترتبط بكفالة بنكية بنسبة 30% قابلة للتسييل في أي وقت. كما تلتزم الشركات التي تتقدم بطلبات ترخيص بتقديم صور عن نماذج العقود التي توقعها مع المتعاملين للتأكد من مدى مطابقتها للقانون ومحافظتها على حقوق المتعاملين. وقبل أيام بدأ مجلس تنظيم العمل في البورصات الأجنبية استقبال المراجعين من وكلاء شركات التداول في البورصات العالمية الراغبين في مواصلة عملهم، في إجراءات الترخيص، وذلك بحسب متطلبات القانون المؤقت وقانون الشركات.

هل كان الجشع وراء هذه المشكلة؟ هذا الإدعاء مرفوض، لأن «الطمع» يوحي بأن المستثمرين هم من الأغنياء، بينما لواء كنانة، حيث تمركزت غالبية هذه الشركات، هو في الواقع من المناطق الأقل حظا في المملكة، ويعيش معظم سكانه على مصادر دخل محدودة، وبعضها متدن. وتقدر قيمة المبالغ التي أودعت في شركات البورصة الأجنبية في منطقة إربد بنحو 250 مليون دينار، وفي محافظة إربد هنالك ما يزيد على 70 مكتبا تعمل بمبدأ «المتاجرة»، وهي مكاتب توزع «أرباحا» شهرية على أموال المودعين تراوح ما بين 15 و 25 في المئة من قيمة الايداع. والمستثمرون هم من ذوي الدخول المحدودة، فنحو 80 في المئة منهم لا يزيد دخلهم على 300 دينار شهريا. تعبيرا الجشع والطمع لا ينطبقان على هؤلاء «المستثمرين»، لأن الفقر وعوز الحال هو ما دفعهم إلى تحسين مستويات دخولهم. لذلك دعونا لا نضع اللوم على الفقراء والبسطاء، فمهمة الدولة هي وضع البرامج التنموية الحافزة لتنمية الدخول في جميع مناطق الأردن وتمكين أهاليها من الوصول الى مصادر الرزق، والقانون هو صاحب الولاية في حماية الجميع، حتى غير الخبراء منهم.

كيف سجلت هذه الشركات لتمارس أعمالها؟ تمكنت 4 شركات فقط قبل 2006 من التسجيل بوصفها مؤسسات خاصة أو تضامنية، ومارست أعمالها في هذا المجال، وخالفها مراقب الشركات السابق الدكتور محمود العبابنه لممارساتها أنشطة لم تنص عليها جداول تأسيسها المودعة لديه.

تقدمت مجموعات من الاشخاص طالبة حق التسجيل لدى المراقب ذاته في 2006 للتعامل في البورصات الأجنبية. غير أنه ذات رفض تسجيلها، وقام بمخاطبة البنك المركزي، حيث أنهم يتعاملون في العملات الثمينة، ومخاطبة هيئة الأوراق المالية، لأن هذه الشركات تنوي العمل في الأوراق المالية، فتبرأت الجهتان من مسؤوليتهما تجاه هذا النوع من الشركات، وأعادت الكرة الى ملعب المراقب، فقام المطالبون بتسجيل هذه الشركات برفع دعاوى على المراقب، وكسبوها في المحكمة. غير أن المراقب النبيه لم يكتف أو يقتنع بأن مسؤليته نحو المواطنين انتهت، فالفراغ القانوني ما زال موجودا، لذلك قام بمخاطبة ديوان تفسير القوانين، وصدر قرار الديوان؛ القرار التفسيري رقم 8 لسنة 2006، بالإجماع، ونشر في الجريدة الرسمية رقم 4798، وقد نص على ولاية هيئة الاوراق المالية، بحسب قانون الأوراق المالية، والبنك المركزي، بحسب قانون مراقبة العملة الأجنبية، وقانون البنوك، غير أن شيئا لم يحدث، وتغاضت حكومة معروف البخيت في حينه عن القرار، واضطر المراقب الى تسجيل هذه الشركات، وأصدر في عام واحد مخالفات بحق 16 شركة منها، غير أن صغر حجم المخالفات لم يؤثر في سمعة أو مسيرة نمو هذه الشركات.

المؤسف أن عدم تسجيل هذه الشركات استخدم لاحقا من قبل بعض الجهات للإطاحة بمراقب الشركات وتحويله الى مستشار في مكان آخر، بعد شهور من حصول دائرة مراقب الشركات على جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز في الأداء الحكومي!!

بدأت الشركات بممارسة أعمالها، ما يعني أن الوضع الحالي الذي وصلنا إليه هو نتيجة لتمكن هذه الشركات من أن تعمل، وبكل حرية، من دون أن يكون عليها رقيب معني بنشاطاتها. ماذا كانت نشاطاتها وكيف كانت تعمل؟

الواضح مما كتب عن هذه الشركات في الصحف ووسائل الإعلام الرسمية، أن قسما كبيرا منها يعمل بمبدأ «الهرم المالي»؛ حيث تقوم الشركة باستخدام بعض الوسطاء لجذب العملاء، أو يقوم زبائنها أنفسهم يجذب آخرين حين تقوم الشركة بدفع «أرباح» مجزية لهم، بينما هذه الارباح هي في الحقيقة جزء من المال الذي دفعوه أصلا. وعادة ما لا تقوم الشركة بأي عمل تجاري سوى إعادة تدوير أموال المساهمين بينهم، مع الاحتفاظ بحصص كبيرة للمؤسسين، وتقنع الزبائن بكفاءتها من خلال برامج وتظاهرات وهمية، ومن خلال استقطاب أسماء رنانة قد تكون هي أيضا ضحية لهذا الخداع أو تكون شريكة فيه.

رئيس الهرم يأخذ حصته من مال كل مودع، ثم تأخذ الطبقة التي تليه مباشرة من الأسفل حصتها من إيداعات الآخرين، وكذلك من إيداعات أفرادها، وهكذا. المستفيدون من الهرم هم الذين انضموا باكرا، ومع استمرار التوزيع تصل مداخيل بعضهم أحيانا الى أربعة أو خمسة أضعاف ما أودعوه، وهو ما حصل فعلا مع البعض، فأصبحوا هم أنفسهم دعاية حية لهذه الشركات من دون علمهم بعدم شرعية ما تمارسه الشركة. الأرباح الخيالية التي تمنح تشجع الآخرين على الانضمام الى الهرم الذي يصبح كمتوالية عددية تكبر قاعدته بسرعة مع وهم الربح السريع.

زبائن، أو ضحايا هذا الهرم، هم من ذوي الدخل المحدود والدراية القليلة، وهو ما حدث فعلا حين تركزت عمليات هذه الأهرامات المالية في لواء كنانة، وكان فرسانها من الموظفين البسطاء أو المزارعين، وهم أيضا من الفقراء في الأردن، ومن غير الضالعين بالسوق المالي، وهم غالبية الشعب.

وعادة ما يسقط الهرم حين لا تستطيع الشركة أن تضيف ضحايا جدد لتوزيع أموالهم بين الاعضاء، وهو ما حصل فعلا، إذ تزامن انهيار بعض هذه الشركات مع سماع البعض بالازمة المالية الخانقة التي ألمت بالاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية، وبما أن هذه الشركات تدعي أنها تتعامل مع الأسواق العالمية، أصبحت الفرصة مواتية لها للتذرع بهذه الذريعة وإعلان الافلاس أو الانسحاب من السوق. السبب الحقيقي هو وصول هذه الشركات الى مرحلة انتهاء الهرم وعدم قدرتها على جذب المزيد من الناس لأن المستثمرين السابقين قد استنفذوا. ولو أن الحكومة لم تتصرف كما فعلت، لكان انتقال هؤلاء الى الجنوب محتملا جدا لجلب المزيد من الضحايا الى هذه الأهرامات الفاسدة، والتي تعتبر غير قاونوية في جميع دول العالم المتقدم ومنذ العديد من السنين.

أساس الخطأ، كان السماح لهذه الشركات بأن تعمل من دون تنظيم. ما هو الحل؟ تنظيم أمور هذه الشركات كما تم مؤخرا. ولكن، نرجوا ألا يكون القانون، كما يحدث في الفزعات التشريعية، خانقا للشركات التي تعمل في صورة قانونية وصحيحة، فنضع الحابل والنابل معا في ذات البوتقة، لتنكوي بنار عدم الثقة. في اعتقادي، ومن خلال ما قرأت حتى الآن، أن اللوم لا يقع على الضحية، بل على الجاني والمنظم؛ فالأول تجنّى على الآخرين بينما تقاعس الثاني عن فعل الصواب في حينه. ما هو الدرس؟ لماذا لا نكافىء العاملين بجدارة؟ ولماذا لا يكون هناك تنسيق أكبر بين دوائر الحكومة المختلفة، فكلنا الأردن، أليس كذلك؟

مشكلة شركات البورصة: لوم الضحية بدل معاقبة الجاني
 
25-Sep-2008
 
العدد 45