العدد 44 - ثقافي
 

علي بدر

"الحياة قيمة". هذا ما قاله سولجنيتسن في كتابه "حفلة النصر".. "قيمة لا يعادلها معيار"، ثم هز رأسه بلحيته الطويلة وصلعته الفلسفية كما وصفته نتالي بيركن في كتابها "لقاءات مع سولجنيتسن" مضيفاً: "على البشرية أن تتذكر أن هنالك آلافاً من البشر سُحقوا بلا رحمة دون أن نجد لها قبور"..

ويستدرك متسائلاً: "هل علينا أن نبحث عن قبور؟".

برز ألكسندر سولجنيتسن معارضاً ومنشقاً حينما كان أغلب المثقفين هائمين في غمرة الحماسة الشيوعية. لم تكن الأيديولوجيا -منظومة الأفكار القادرة على تفسير كل شيء: الحياة والفن والطبيعة والميتافيزيقيا- سبب هذا الانهيار المتلاحق والمدوي لمجموعة كاملة من المثقفين الأيديولوجيين ومع أول انهيار سياسي، إنما كانت التجربة. تجربة المثقف مع الحرية، وتجربة المثقف مع الاستبداد الفردي، وتجربة المثقف مع صقيع الطغيان الفئوي والحزبي، وتجربة المثقف المستنير مع نار الحماسة الجماعية التي أطلقت عليها "حنّه أرندت" ذلك الوقت وصف "الكيتش الطاغي"، وهي حاجة الشرائح الدنيا للابتذال السياسي.

مات المنشق سولجنيتسن، صاحب الخطاب الإنساني في وجه الكولاغ الوحشي. كتابه "أرخبيل الكولاغ" (1973)، لم يكن وثيقة لعذاب السجن كما فعل دستيوفسكي في روايته "رسائل من بيت الموتى"، بل نصّاً أوجدَ نوعاً من التطابق بين الإجراءات العملياتية للنظرية السياسية وبين الإجراءات العملياتية للسجن، فالتدمير الإنساني يتم من خلال مراحل مدروسة ومتعاقبة لتتطابق كليا مع الإجراءات النظرية للأيديولوجيا.

فمن الجزء الأول الذي صور فيه سولجنيتسن إجراءات القبض عليه، وترحيله، والتحقيق معه، وإخضاعه للتعذيب النفسي والجسدي بسبب ما أطلق عليه ذلك الوقت رسالته إلى صديقه "أوتكيفتش" التي انتقد فيها إدارة ستالين للحرب حينما كان ضابطا في المدفعية، وحتى الجزء الأخير الذي صور فيه الحياة التفصيلية للسجن والسجناء وإدارة السجن من قبل الإدارة البيروقراطية للثورة.. طوال هذه الملحمة المدوية كان سولجنيتسن منشغلا بطرح أسئلته الكبرى:

هل على الأجيال أن تفنى من أجل مستقبل غامض؟ هل يمكن للفنان أن يعيش طوال حياته في الكذب؟ هل علينا أن نُنحر على مذبح الفكرة التي تريد أن تكون سواها؟

ردد سولجنيتسن هذه الأسئلة في جميع كتبه تقريبا: "يوم في حياة إيفان دينسوفتش" (1962)، "حادث في محطة كريشيتوفكا" (1963)، "مكان ماتريونا" (1963)، "الدائرة الأولى" (1968)، "جناح السرطان" (1968)، "نوفمبر 1916" (1983)، "أغسطس 1914" (1984).

كما ردد أسئلته تلك بشكل أوضح في مسرحياته المهمة: "شموع في مهب الريح"، "امرأة الحب" و"البريء". كما أشار إليها في كتبه السياسية الفاضحة: "لينين في زوريرخ" (1976)، "حفلة النصر" (1984)، "السجناء" (1985)، "الخطر المميت" وغيرها..

هذه الوثيقة، وثيقة أرخبيل الكولاغ، كانت أشبه بالفضيحة في الغرب، لأن هنالك العديد من المثقفين الذين كانوا يرقصون على جثث أقرانهم الكتّاب الذين سقطوا صرعى لخياراتهم الأخلاقية، وكان الأمر لا يخص الروح الصوفية التي تستمد أصولها من الأرثوذكسية الروسية فقط كما ادعى بعض النقاد، ذلك لأن مسيحية سولجنيتسن لم تكن مسيحية رعوية دينية، إنما روحانية تمتد جذورها عميقا في التربة الروسية التي أنتجت روحانية برديائيف ودستيوفسكي ونصوص بولغاكوف الفنتازية، وكانت تحاول أن تربط الإنسانية جميعها في فكرة قداسة الإنسان، كما جاء في روايته الأشهر "جناح السرطان"، التي عالجت بشكل شائق حياة مجموعة من المصابين بالسرطان في أحد مستشفيات كازخستان.

صورة سولجنيتسن التي جرى تعميمها في الغرب أثناء الحرب الباردة، تُظهره بلحية سوداء وصلعة مميزة. وهي صورة تجمع الصوفي الروسي بروحانيته العظيمة والفيلسوف المنشق معا. كانت مجلة "نيوزويك" في العام 1983 هي التي نشرت له هذه الصورة المخالفة تماما لصورته الشهيرة، وهي صورة الفلاح الروسي بطاقيته المعروفة، الطاقية نفسها التي ارتداها تولستوي يوماً ما في مزرعته، وكان بضيافته مكسيم غوركي جالسا على كرسي عند شجرة سدر معمرة، فرفع تولستوي يديه مثل حطاب وهو ينظر إلى سحلية تسير تحت وهج الشمس، وقال لها: "أنتِ سعيدة، أما أنا فلا..".

تقول بيركن إن سولجنيتسن هو الخط الوسط بين دستيوفسكي وتولستوي. وهي التقاطة في منتهى البراعة، ذلك أنه كان مثل الاثنين، منهمكا في قراءة التاريخ وأثره في الأفراد والمجتمعات، وكان من جهةٍ شبيهاً بدستيوفسكي في إبرازه للروح الصوفية المتوحدة مع الروح القومية في روسيا، ومثله أيضا في تقديمه لعذابات السجناء، ومثله في التوحد في حياة المرضى كما فعل في رواية "جناح السرطان"؛ وهو من جهة أخرى كان مثل تولستوي في تصويره البارع لأيام الحرب، والقتال، وصور المواضع والخنادق، وحياة الجنود وهم جرحى محمولين على العربات التي تجرها الجياد..

كان سولجنيتسن بارعا مثل تولستوي في إعادة الاعتبار إلى الصورة الكلاسيكية للحرب أثناء المواجهات والانتصارات والهزائم، وكان مثل دستيوفسكي في استخدام لغة الناس في حياتهم اليومية..

سولجنيتسن في صورة عمّمها الغرب له: الصوفي الروسي والفيلسوف المنشق
 
18-Sep-2008
 
العدد 44