العدد 42 - أردني
 

منصور المعلا

يتقدم رجل مسن يسيره أحدهم على كرسي متحرك، فهو مقعد أيضا، ولسانه لا يتوقف عن اللهج بالدعاء لمحافظ المدينة والمسؤولين السائرين في ركابه، متأهبا لاستلام طرد يحتوي على مواد غذائية من محافظ المدينة، فيما ينشغل المسؤولون المرافقون للمحافظ عن دعائه بالالتفات إلى عدسات مصور يهم بالتقاط الصور، من دون أن ينسى أي منهم رسم ابتسامة على شفتيه لزوم التقاط الصورة.

وفي خلفية الصورة، يتوارى شاب في العقد الثاني من العمر خلف والده المسن والمقعد، حتى لا يظهر في صورة متسول. يلتقط الوالد الطرد من المحافظ وهو يزجي الدعوات للمحافظ بطول العمر والأمنيات له بالمزيد من عمل الخير فيما تبقى له من عمره المديد.

هذا المشهد الذي لا يندر أن يحدث في أي من شهور السنة الاثني عشر، يتحول إلى لازمة متكررة مع اقتراب شهر رمضان ثم قدومه، ففي رمضان تزداد وتيرة توزيع الصدقات والهبات على فقراء المدن والأرياف، ويصبح "عمل الخير" خبرا متكررا في الصحف اليومية والأسبوعية تزينه الصور العديدة للمسؤولين المبتسمين ومستلمي الطرود الذين لا يمكنهم إلا الابتسام. لكن هذا "العمل الخيري" كثيرا ما يستثمر من قبل جمعيات ونواد وشركات خاصة وعامة، ومؤسسات رسمية وخاصة لتحسين صورتها وتلميع مسؤوليها بإظهارها في صورة المؤسسة التي لا تكف عن عمل الخير، بحيث يرتبط اسمها بتوزيع الهبات والصدقات على فقراء الوطن ومساكينه.

ينص قانون المطبوعات والنشر على حق المواطن الذي تعرض صورته في أي وسائل الإعلام، من دون إذن منه، بمقاضاة وسيلة الإعلام تلك. وعلى الرغم مما في الصور التي تنشر من إساءة، ولو ضمنية، إلى الشخص الذي يتلقى الطرد، فإن من النادر أن تسمع عن شخص قاضى وسيلة إعلام على مثل تلك الصور، والتي يفترض ألا تنشر طالما أن الدافع لتوزيع الطرود هو عمل الخير، والخير كما هو معروف يجب أن يتم بعيدا عن الإعلان والإعلام، وعن أعين الفضوليين، وفي تراثنا القديم والحديث، اكتسب تعبير "فاعل خير" معنى السرية إلى جانب الفعل الإنساني.

في مقابل هذه الصور التي تتكرر في الصحف، يقوم الديوان الملكي، منذ العام 2005، بتوزيع "طرود الخير الهاشمية" بسرية تامة، ومن دون أي احتفاء إعلامي، باستثناء تصوير الطرود وهي تغادر موقعها في الديوان. وكذلك هو الأمر مع حملات تبرع رسمية أخرى مثل: صندوق الزكاة ووزارة التنمية الاجتماعية وغيرها من المؤسسات الرسمية والشعبية. ويتحرك القائمون على هذه القوافل والعطايا بحسب قوائم معدة سلفا من المعنيين في المحافظات لمستحقي المعونة في المناطق المستهدفة.

الصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية، الذي تنبثق عنه حملة البر والإحسان، من أنشط الجهات في جمع التبرعات وإيصالها إلى المحتاجين والفقراء في أوقات السنة كلها، فأعمال الخير بالنسبة لها، ليست مقيدة بشهر معين من شهور العام.

وتفيد أرقام رسمية بأن عدد الذين استفادوا من حملة البر والإحسان العام الماضي بلغ نحو 15 ألف مستفيد، ما بين مشروع إنتاجي وبعثة تعليمية ومساعدة طبية وإجراء عمليات في المستشفيات.

معونات رمضان: أعمال خيرية لا تهمل العلاقات العامة
 
04-Sep-2008
 
العدد 42