العدد 42 - أردني
 

مرور مسحراتي في أحد أحياء عمان اليوم، أمر يثير اهتمام الصغار ويعود بالكبار إلى ذكريات زمن غابر لن يعود؛ لكن أن تمر مجموعة "مسحراتية" لم تتجاوز أعمار أكبرهم الثامنة عشرة، يقودهم شاب في الثانية والعشرين من عمره، فأمر يستحق التوقف.

في ضاحية الياسمين، جنوبي عمان، وفي ثالث أيام رمضان من عام 2004، خطر في بال محمد أن يقوم بمهمة تسحير أهله وجيرانه في الحي الحديث نسبيا. ويبدو أن تذكره لصورة المسحراتي الذي كان يقوم بمهمة إيقاظ أبناء حيه، هو الذي دفعه إلى ذلك، فهو لم يكن قد سمع صوت طبلة المسحراتي بعد أن انتقل للسكن في الحي الجديد قبل عشرة أعوام، بعد أن كان يسكن في الهاشمي الجنوبي. ويضيف محمد أن طبيعة عمله حلاقا في صالون يملكه ويديره، لا يسمح له بالنوم إلا في ساعة متأخرة جدا من الليل. وكانت هذه هي الشرارة التي انطلقت منها فكرة أن يعمل مسحراتي. يقول: "فكرت أنا وصديقي بماذا نفعل، ونحن ننتظر آذان الفجر؛ فخطر لي أن نقوم بإيقاظ الناس لتناول السحور، أي العمل مسحراتي." في اليوم الأول، تناول محمد طبلة كانت في متناول يديه، وسار وصديقه في شوارع الحي، يرددان بعضا من الأذكار التي اعتادا على سماعها من المسحرين مثل "يا نايم وحد الدايم." يقول محمد إنه شعر بالخجل والتردد والارتباك في بداية الأمر؛ لكنه في الوقت نفسه شعر بأنه يقوم بعمل جيد عندما رأى سكان الحي يتهافتون على الشبابيك للنظر إلى هذا الوافد الجديد. لكن هذا لم يكن شأن الجميع، فالمسحراتي الجديد لم يكن موضع ترحاب بعض من سكان الحي. يقول: "بعضهم كان يطل علي من النافذة ويقول ‘أنا عندي ساعة بصحى لحالي‘ وآخر ‘إنت مزعج‘". لكن هذا لم يؤثر في محمد؛ وكم كان فرحا عندما افتقده سكان حارة من حارات الياسمين في ليلة كان يسحر فيها في حارة أخرى. هذا الأمر دعاه إلى توسيع نطاق "عمله"، فاستقطب شبانا آخرين ليساعدوه في تغطية حارات الياسمين والذراع الغربي وإسكان الإرسال. كما حرص على شراء طبول كبيرة بدلا من الطبلات الصغيرة. يقول "أول طبل اشتريته من وسط البلد، بحوالي 20 ديناراً لكنه ما عمّر، وبسرعة تلف." فأوصى بطبل أتاه من حلب دفع ثمنه 45 دينارا هو الذي يستعمله اليوم.

كل عام، قبل نهاية رمضان بأيام، يقوم محمد بجولة، بعد صلاة المغرب، على سكان الأحياء التي يسحر فيها، ويجمع "ما تجود به نفوسهم". وقد أبلغ ے أن أكبر مبلغ جمعه خلال السنوات الأربع الماضية كان 700 دينار. أخذ منها 130 دينارا، ووزع بعضها على مساعديه "ليشتروا ملابس عيدية." أما جل المبلغ فيقوم محمد بتوزيعه على الجوامع والفقراء في مغلفات يحوي كل منها 50 أو 60 ديناراً، أو يشتري طعام السحور للمعتكفين في ليلة القدر، أو ملابس العيد عائلات فقيرة. وتساعده في هذا والدته التي تكون أكثر إلماما بوضع الناس والعائلات حولها.

يقول محمد إن هدفه ليس جمع المال، خاصة وأنه يملك صالون حلاقة يدر عليه دخلا جيدا. ويضيف "أحب أن أشعر أني سوّيت إشي منيح في حياتي."

الصورة التي يقدمها محمد ربما لا تتوافق مع الصورة النمطية التي نعرفها عن المسحراتي: الرجل العاجز الطاعن في السن. تذكر أم جهاد أن رجلا ضريرا كان يقوم بمهمة التسحير في قرية إذنا قضاء الخليل نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات. وتضيف "كان الناس يدفعون له صدقة زكاة الفطر". أما أبو عامر فيذكر رجلا "ختيارا" كان يسحر في منطقة المصدار وجبل النظيف وجبل المريخ. ويقول "كنا نقف على أبواب البيوت ننتظر المسحراتي الذي كان وجوده بالنسبة لنا أمرا غريبا." ويصف أبو عامر مدى سعادته عندما يرى الشيخ المسحراتي قادما من "راس الحارة" وهو يقرع طبلته الصغيرة ويصيح "رمضان جاي يزوركم، قوموا لسحوركم." ويظل الصغار يترقبون خطواته حتى يغيب عن النظر.

إياد، في الثلاثين من عمره، يذكر أن المسحراتي في خريبة السوق؛ جنوبي عمان؛ كان عامل نظافة مصري اسمه أبو عادل توفي منذ سنوات. أبو عادل كان متقدما في السن، وكان يستأجر غرفة في الحي؛ فهو كان معروفا للجميع. ويضيف إياد "كنا كل ليلة نوقف ع الشبابيك حتى نشوف أبو عادل الله يرحمه وهو بينادي يا أبو محمد، وحد الله، يا أبو زياد وحد الله، يا أبو نواف، رمضان كريم."

إلا أن هذه الصورة النمطية للمسحراتي لم تستمر كذلك مع ظهور وانتشار ساعات المنبه ومكبرات الصوت المثبتة على المآذن، أو حتى الهواتف التي اعتاد الناس من خلالها أن يوقظوا بعضهم بعضا.

المصادر التاريخية ترجح أن أول ظهور للمسحراتي بهذا المعنى كان في صدر الإسلام. فكان المسلمون في عهد النبي محمد يعرفون وقت السحور بآذان الصحابي بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عن الطعام بآذان الصحابي عبد الله بن أم مكتوم، استنادا للحديث "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم."

في كتاب "رمضان" لحسن عبدالوهاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتب عام 1986، أن عتبة بن إسحاق والي مصر في العهد العباسي، وفي رمضان عام 852 م، كان ينادي للسحور أثناء سيره من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص في الفسطاط. ويذكر أيضا أن الشاعر ابن نقطة المزكلش المتوفى عام 1200م كان يسحر الناس مناديا "نياما ... قوّماً قوّماً للسحور". أما في عصر الدولة الفاطمية فقد أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي (حكم بين 996-1021م) أمرا لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا على الأبواب. وفي وقت لاحق أوكل أولو الأمر إلى رجل للقيام بمهمة المسحراتي إذ كان يدق على الأبواب بعصا كان يحملها وينادي "يا أهل الله قوموا تسحروا." عبارات "السحور" ما تزال نفسها عبر العصور وما يزال المسحراتي يحمل الطبلة "البازة" أو الطبل، بالإيقاع نفسه "تم تتم تم تم."

**

مسحراتيات

في رمضان العام الماضي، سمحت بلدية مدينة أنطاليا التركية لثلاث فتيات بالقيام بمهمة المسحراتي في سابقة فريدة من نوعها. فدور المسحراتي ظل حتى ذلك الحين حكرا على الرجل. خديجة يلماز، الطالبة في إحدى جامعات أنطاليا قالت إن الهدف من مزاولتها لهذه المهنة هي إثبات أن المرأة قادرة على منافسة الرجل في كل مجالات العمل بما فيها هذه المهنة التي تبدأ في وقت متأخر من الفجر. وأضافت أنها لم تجد أي صعوبة، إذ عاونتها اثنتان من صديقاتها. وقد ظهرت الفتيات الثلاث سافرات الرأس في زي شعبي يحملن طبلا متوسط الحجم. رجال دين أتراك قالوا إن الهدف من ذلك كان مساعدة الفتيات على التغلب على الخوف من السير في الشوارع ليلا، بالإضافة إلى أنها إثبات على أن الديمقراطية في تركيا تساوي بين الرجل والمرأة.

المسحراتي .. مهنة لشهر واحد
 
04-Sep-2008
 
العدد 42