العدد 40 - أردني
 

ثمين الخيطان

تتنافس كنائس تقليدية مع دُور عبادة إنجيلية على استقطاب شباب مسيحيين، يرى بعضهم في ألوان الإيمان الجديدة إشباعاً لرغبات روحية وملئاً لفراغ يرون أن كنائسهم التقليدية تعزّزه وسط اتساع الفجوة مع رجال الدين، حسبما يؤكد مؤمنون من فئة الشباب.

على أن هنالك من يتمسك بطقوس كنيسته الأم في بلد يشكل المسيحيون فيه نحو 4 بالمئة من عدد السكان المقدر بـ5،8 ملايين نسمة. تشكل الفئة العمرية 14-20 سنة 29 ألفاً، في مجتمع يشكّل الشباب غالبيته العظمى.

المنافسة على "الخِراف" بين التيارَين التقليدي والإنجيلي وصل ذروته مطلع العام الجاري، حين هبّ القائمون على الكنائس الطقسية لـ"حث" الحكومة على الوقوف في وجه ما وصفوها بـ"حركات تبشيرية تغلغلت" في أرياف ومدن الأردن، المحاط بصراعات مذهبية من كل الاتجاهات.

التراشق بالاتهامات وصل إلى حد التشكيك بالولاء والانتماء. تجلّى ذلك في بيان أصدره مطلع العام مجلس رؤساء الكنائس الطقسية (الروم الكاثوليك، اللاتين، الروم الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس)، يتهم فيه 40 فرقة تبشيرية بالتطرف وإثارة الفتنة في البلاد. شدد رجال الدين على تمتُّع المسيحيين بكل حقوقهم المدنية والسياسية كمواطنين أردنيين. صدر البيان رداً على تقرير من إسطنبول لوكالة "كومباس دايركت نيوز" الأميركية للأنباء تحدّث عن طرد عدد من "خدّام ومبشرين" ينتمون لطوائف معترف بها في الأردن كـ"جمعيات"، منها كنيسة "جماعات الله".

وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال ناصر جودة برّر قرار التسفير، معتبراً أن المطرودين قاموا بأنشطة "غير قانونية"، في إشارة إلى أعمال التبشير. وأيد مجلس النواب القرار.

عشرات الطلبة يقولون إنهم ينفرون من حصص الدين المسيحي بسبب جمود المنهج وتكراره.

يتكرر المشهد وسط تنامي مخاوف الكنائس التقليدية من المد "الإنجيلي" و"المتجدد" الذي يستقطب شباناً وشابات من مختلف الأعمار.

"الخوري بيجيبلنا شغلات عن الحياة والدين ونحن ننسخ. بالنسبة لي أعتبرها حصة فراغ..، أجلس في الأدراج الخلفية وبعض الأحيان أحلّ واجباتي، نأكل، وعندما يكشف الخوري أمرنا نضيّفه"، هذا ما تقوله طالبة في مدرسة مسيحية عن حصة الدين في مدرستها. وتشتكي الطالبة البالغة من العمر 16 عاماً من أن الكاهن الذي يدّرس الدين "بيقضّيها صياح وصراخ" في المدرسة التابعة لإحدى الطوائف المسيحية الطقسية.

وتضيف الطالبة ذاتها: "الراهبات"، "لا يترددن في التوبيخ دون سبب. وقد يصل الأمر أحياناً حد التهديد بالضرب".

هذا الانتقاد توجهه كذلك نادين التي تخرجت العام الماضي في مدرسة مسيحية، قائلة: "أبونا (الكاهن) كان يبهدل، بينما كل الصف ساكت".

يروي الطلبة قصصاً عن الهروب من حصص الدين: "كنت أهرب من كل الحصص (الدينية)"، تقول إحداهن. ويؤكد آخر "كنا نلعب سلّة، وهذا أروع شيء". ثالث تخرّج العام الماضي يفشي السر: "كنا نهرب من حصّة الدين ونذهب للاختباء على درج الكنيسة".

الكنيسة الطقسية لديها مرجعيات كنسية (البابا والبطاركة والمطارنة والكهنة ومجالس الرعية)، إضافة إلى العهدين القديم والجديد (الكتاب المقدس)، فضلاً عن التقاليد الكنسية. في المقابل يؤكد الإنجيليون أن "الكتاب المقدس" هو مرجعيتهم الوحيدة.

من أبرز الكنائس الإنجيلية في الأردن الكنيسة المعمدانية وجماعات الله وكنيسة المسيح. ولا يؤمن الإنجيليون بسلطة أو مرجعية رجال الدين، بل لديهم قادة من قساوسة وخدّام للوعظ والإرشاد الروحي.

الأب وسام منصور، مساعد مطران اللاتين، يؤكد أن "الخوري والراهبة مخرجات هذا المجتمع". ويضيف منصور: "شعبنا يربي في الخوري حب التسلط... الكبار في الكنيسة يروقهم هذا الأمر"، بينما "يحاول الشاب التمرد على كل ما يربطه".

يرى الأب منصور أن الرعية ترغب أحياناً بـ"الدكتاتورية الدينية". ويؤكد أن "الأبوة المُحبة هي الاحترام المتبادل دون صراخ أو عصبية أو سلطوية". في بعض الأحيان "تضطر للتصرف غير طبيعتك حتى تستطيع السيطرة" على الطلبة في الصف. ويدعو الأب منصور إلى تغيير تصرفات الخوري والطالب على حد سواء.

رداً على الأنشطة غير المنهجية لدى الإنجيليين، يذكّر الأب منصور بما تدعى الحركات الرسولية (الشبيبة والكشافة والأخويات ومختلف التنظيمات التي ترعاها الكنيسة)، لافتاً إلى "أن تجميع الشبيبة الأردنية كلها يشعرهم بالانتماء للكنيسة كوحدة واحدة وللبلد، وهذا غير موجود لدى المتجدّدين" بسبب غياب المرجعية الدينية.

الناشط الإنجيلي فيليب مدانات يرفض هذا التوصيف، ويرى أن مسألة الانتماء تبقى "ضميرية"، مضيفاً: "لا أحد يستطيع أن يطعن بانتماء الآخر أو أن يضع معايير الانتماء".

الأمانة العامة للمؤسسات التربوية المسيحية تضم 50 مدرسة لمختلف الطوائف يدرس فيها 25 ألف من الطلبة؛ مسيحيون وغير مسيحيين، إضافة إلى حوالي عشر مدارس مسيحية لا تتبع للأمانة. يقول أمين عام الأمانة العامّة الأب حنا كلداني، «هدف حصة الدين هو أن يتعلم الطالب الدين»، مشيراً إلى أن الملل لدى الطلاب هو من كل الدراسة بشكل عام، لا من حصة الدين فقط.

يعود تاريخ المدارس المسيحية في الأردن للنصف الثاني من القرن التاسع عشر. أولاها تعود للبطريركية اللاتينية، وكانت تقبل في صفوفها الطلاب المسيحيين والمسلمين، بحسب أرشيف البطريركية.

تدرس المدارس المسيحية المنهاج الحكومي للدين الإسلامي لطلبتها المسلمين، غير أن الطلاب المسيحيين في المدارس الحكومية لا يدرسون الدين المسيحي.

الطلاب يريدون حصة الدين المسيحي بـ"أسلوب مختلف"، وتتناول مواضيع تمسهم. "مواضيع الشباب، ككيفية التعامل مع الجنس الآخر، أصبحت مملة ومستهلكة"، تقول إحداهن، مذكّرةً بأن التركيز ينصبّ على فكرة مصادقة الشبان بشكل عام وكيف يجب ألاّ تصادق البنت شاباً بعينه. ويحب آخر "المواضيع المتعلقة بالدين والسياسة والمتجدّدين، لكن أبونا كان يتجنب فتح هذه المواضيع".

ثمة من يؤيد حصص الدين ويواظب على حضورها. يقول أحد هؤلاء: "المسيح لم يتحدث عن المخدرات والجنس مثلاً، إنما كان يحل المشاكل"، ويؤيد طريقة تدريس الدين الحالية، معتبراً أن "الخوارنة يعلموننا أن ندخل المسيح إلى قلوبنا، وعندها لن يكون هنالك مشاكل".

وديع، مهتم آخر بالحصص، يقول عن زملائه: "مع أنهم يشاغبون، أحاول أن أستفيد". ويضيف أن سبب المشاكل هو "إهمال الشباب وعدم وعيهم". لكنه يقر بأن "عدداً كبيراً من الخوارنة يتهربون من المواضيع التي تهم الشباب".

وتدور في ذهن إحدى الطالبات أسئلة جدلية حول العقيدة المسيحية، الراهبة التي تدرسّها "لا تحب أن تجيب معظم الأحيان". لكن الطالبة ذاتها تؤكد "إنني أحبها (الراهبة)... أعتقد أنها تفعل ما بوسعها لتجعلنا نحب الحصة، تعرض لنا أفلاما (دينية)".

الأب بولس حداد، راعي كنيستَي الكاثوليك في الفحيص ومرج الحمام، يتحدث عن إمكانية إعادة النظر في حصة الدين المسيحي، لكنه يؤكد على "تعاليم معينة يجب أن يمر (الطلبة) فيها"، وهي تعاليم الإيمان المسيحي. ويعتبر أن حصة الدين " ليست حصة بقدر ما هي لقاء بحب"، منوهاً إلى أن طالب المدرسة يكون "مضغوطاً (من تأثير المساقات الأخرى) لا يريد أن يسمع".

ويلفت الأب حداد النظر إلى أن "لدى الإنجيليين تفرغاً أكثر، بينما يصعب تواصل راعي الكنيسة التقليدية مع عشرات العائلات.

ولا يروق بعضهم التركيز على النصوص الحرفية في الكنيسة الطقسية، وهو أمر غير قائم لدى الإنجيليين. "الدين أبسط بكثير من هذا كله"، تقول طالبة في مدرسة كاثوليكية، انتقدت كذلك الإسهاب في شرح الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات...)، أشهر صلاة لدى المسيحيين.

سيدة تخرجت في المدرسة نفسها قبل حوالي ثلاثة عقود، وتنتمي الآن إلى كنيسة المسيح، تأسف لأنها طيلة دراستها لم تعرف معنى هذه الصلاة. "لم يشرح لي أحد معناها، مع أنها صلاة عميقة جداً".

ومع أن "المشاغبين" في الحصة يذهبون للصلاة في الكنيسة، إلا أنهم لا يتمتعون بعلاقات جيدة مع رجال الدين. إضافة إلى الوازع الديني، تقول إحداهن إن "التراتيل ممكن أن تكون السبب كي أذهب إلى الكنيسة (الكاثوليكية)، أحب موسيقى التراتيل وأنسجم وأكون مبسوطة".

التراتيل وتحريك الجسم من أكثر المواضيع إثارة للجدل، فالطقسيون ينتقدون تراتيل الكنائس الإنجيلية الصاخبة المصاحبة لآلة الدرمز والطبول والغيتار وتحريك الجسم، إذ يعتبرون أنها تُفقد المؤمن خشوعه وتخلق جواً احتفالياً لا يليق بالصلاة. الإنجيليون، يعتمدون على آية في العهد القديم تقول: "سبحوه بدف ورقص".

هذه الموسيقى الصاخبة ربما تكون أحد الأمور التي تجذب الشباب الذين اعتادوا على نوع من الموسيقى الهادئة في الكنيسة الطقسية.

باسمة السمعان، عضو مجلس الرعية في كنيسة القديس يوحنا دي لا سال للاتين ومرتلة في الكنيسة، تعتبر أن "الناس هنا يحبون التغيير"، مضيفة أن الإنجيليين "يحاولون أن يجعلوا من الصلاة أمراً مرحاً وجميلاً وحيوياً"، لكنها تعتقد أنهم يفشلون "في اختراق المسيحيين المنتمين إلى الكنائس الطقسية، بسبب ارتباطهم الغريزي وميلهم للانتماء للكنيسة".

وتشير السمعان إلى الحفلات والمخيمات والفعاليات المختلفة لدى الكنائس الإنجيلية التي تجذب الشباب والفتيات، بخاصة المختلطة منها.

يعدّ المخيم السنوي الدائم للشبيبة المعمدانية في جلعاد (شمالي غرب العاصمة عمّان) أحد أشهر الفعاليات الصيفية المسيحية التي يؤمها طلبة المدارس والجامعات من مختلف الأعمار. في جلعاد يعقدون الاجتماعات الدينية والصلوات، ويتحدثون عن المواضيع الشبابية المختلفة، ويلعبون ويسهرون.

قائد في الشبيبة المعمدانية خدم سابقاً في الكنيسة اللاتينية، كان في الجامعة حين ذهب إلى مخيم جلعاد. يقول: "ذهبت في البداية من أجل التسلية والتعرف إلى الفتيات، لكنني اكتشفت شيئاً آخر وأشخاصاً مختلفين" يهتمون بالعلاقة مع الرب أكثر من الأمور الدنيوية. هذا الشاب غدا بعد ذلك مؤمناً في الكنيسة المعمدانية.

يقول أشرف (روم أرثوذكس) لـ "ے" إنه في الكنيسة تتاح له الفرصة لرؤية الفتيات والتعرف إليهن، فيما يشدد الكهنة على الدوام في القداس الأسبوعي على ضرورة "الاحتشام في اللباس،" تزداد هذه الدعوات في بداية الصيف وكذلك خلال أسبوع الآلام الذي يسبق عيد القيامة (احتفال المسيحيين بقيامة المسيح من بين الأموات).

المتجددون "يستغلون الفراغ الكبير في كنائسنا العريقة"، يقول النائب السابق في البرلمان والناشط الأرثوذكسي د.عودة قواس، مضيفاً أن هذا الفراغ هو "نتيجة تضعضع رؤساء كنائسنا قاطبة، وعدم التزامهم.. هنالك فراغ".

ويتحدث قواس عن "تعصب مسيحي- مسيحي،" موضحاً أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شبيبة بمعنى المنشأة المسكونية الحقيقية، والمسكونية هي قبول المسيحي للمسيحي الآخر". ويؤكد قواس لـ"ے" أن "بعض الخوارنة ينتقدون بعضهم خلال دروسهم الدينية وعظاتهم".

طالب جامعي ملتزم بالكنيسة الطقسية، يرى أن لا فجوة بينه و بين رجال الكنيسة، مؤكدا أنهم "ليسوا مملين".

حركة الفوكولاري (ومعناها "من يكرسون أنفسهم لخدمة الله") التابعة للفاتيكان، تنظم رحلات سنوية إلى مناطق في الأردن هدفها "الوحدة" بين شباب العالم. إضافة إلى المخيمات واللقاءات، التي يتحدثون فيها عن المواضيع الدينية والحياتية والشبابية، ويمارسون الألعاب المختلفة، ويتعرفون إلى بعضهم بعضاً.

مسرحيات الآلام كانت منتشرة هذا العام قبيل عيد القيامة، طلاب المدرسة الوطنية الأرثوذكسية عرضوا مسرحية مشابهة. وتسعى إحدى الشبيبات الإنجيلية إلى عرض مسرحية دينية على مسارح المدارس الطقسية، وسط تردد هذه المدارس في السماح بعرض المسرحية لطلابها خشية تأثيرها باستقطاب الطلبة إلى الشبيبة الإنجيلية.

كنائس تقليدية وأخرى إنجيلية تتنافس على الفوز بأفئدة المؤمنين
 
21-Aug-2008
 
العدد 40