العدد 38 - أردني
 

"بطلنا نتعلم إشي، إذا بنداوم بنضل للساعة 12، الأساتذة ما بدرسوا زي الناس، وكل الطلاب بعملوا طوش مع بعض." هكذا يلخص رعد حال مدرسته، وهي كحال الكثير من المدارس هذه الأيام، لم تعد تقوم بدورها الأساسي من تربية وتعليم. "هم بفكروا لو ضربونا رح نصير أحسن، بس إحنا بنصير نكره المدرسة والأساتذة أكتر،" يقول رعد، فما زال الضرب أسلوب معظم المدرسين لمعاقبة التلاميذ على التأخير والتقصير في الدروس، من دون النظر إلى الأسباب الحقيقية وراء هذه المشاكل.

"حال المدارس صار في النازل، كل سنة أسوأ من اللي قبلها،" يقول عمر الذي أنهى الدراسة الثانوية مؤخراً، وهو يؤكد أنه في السنوات الخمس الأخيرة، استمر مستوى التعليم في المدارس الحكومية والخاصة في التراجع.

وتؤكد المظاهر، مثل خروج الطلبة في وقت مبكر من الدوام، والتجمعات التي يقيمونها على جوانب المدرسة، وغياب النظام في معظم الحصص الدراسية، على التردي الذي أصاب هذه المؤسسة التعليمية، "وليش أضلّ بالمدرسة، ما بنتعلم زي الناس، والأساتذة طول الوقت بصرخوا،" أخبرنا أحد الجالسين عند سور المدرسة وهو ينفث دخان سيجارته، مفضلاً عدم ذكر اسمه "مش ناقص مشاكل، بلاش المدير يعرفني ويمسكني."

الخبير التربوي حسني عايش يقول إن ثقافة الإنسان تتشكل من خلال ما يسمى بـ"التنشئة الاجتماعية" التي تتكون في الأسرة وفي المدرسة، وأن تأثير المدرسة قوي لأنه يستمر لفترة طويلة (12 سنة)، ويشكل العامل الأساسي في بناء شخصية الطالب. ودعا عايش المدرسة لأن تعليم قيم المواطنة لطلابها، من خلال التعريف بالحقوق والواجبات والمسؤوليات، وأن الواجب لا بد أن يقدم على الحق، حتى يلتزم الطلبة وخصوصاً الأطفال منهم، بواجباتهم والأمور المطلوبة منهم.

يورد الخبير مثالاً على أن المعلم لا يحق له منطقياً ضرب الطالب عند رؤيته يدخن، في حين أنه هو نفسه يدخن طوال الوقت، والأمر نفسه ينطبق على القوانين الأخرى. ويقول إن الواجبات يجب أن تتقدم على الحقوق، وهذا من أسس إرساء المجتمع المدني الحديث، لكن هذه المفاهيم يتم تجاهلها في المدارس، ولا يتم ايصالها للطلبة.

ويتحقق هذا من خلال تدريب الطلاب على الممارسة الديمقراطية، فإجراء الانتخابات وإنشاء اتحادات طلبة، من أهم الممارسات التي ستدفع الطلبة لتطبيق القانون والالتزام به، وهذا يعوّد الطلبة على مهارات الاتصال، مثل الكتابة والخطابة والتواصل مع زملائهم. وبعض هذه النشاطات غير المنهجية تفيد الطالب أكثر من المناهج الرتيبة، والمعلومات القديمة التي تحتويها.

المدرسة فقدت دورها الريادي في العمل على بناء مواطنين، فيتم منع نشاطات الانتخابات ويحظر تشكيل اتحادات الطلبة، ويتم استبدالها بتسلط الإدارة والمعلمين، فينشأ الطلبة على التمرد وخرق القوانين، وينشأ بينهم وبين السلطات عداء وهوة تكبر معهم وتوجه إلى الدولة بشكل عام، بدلاً من احترامها والالتزام بقوانينها.

" تعمل المدرسة على تقويم سلوك الطالب بشكل عام، ويظهر ذلك في تعامله مع أهله وجيرانه وبالتالي مع مجتمعه، ويبدأ هذا من التربية ثم التعليم" يقول المعلم محمد عيد الذي أمضى 30 عاماً في التدريس، ويؤكد أن الأنظمة قديماً في المدارس كانت تساهم في تخريج طلبة متميزين، من خلال الالتزام بالطابور الصباحي وإقرار نظام الترسيب، والتعامل الحازم من المعلمين باتجاه طلبتهم. "يبدأ الاحترام لدى الطالب عند معلمه، فينظر إليه نظرة احترام واقتداء، أما الآن فقد رفع الكثير من المعلمين الحواجز مع طلابهم، فتجدهم يدخنون معهم ويشاركونهم لعب الورق، وهذا ما أدى إلى فقدان الطلبة ثقتهم بالمدرسة وبالتالي بالنظام". ويرى المعلم محمد أن العيوب التي أصابت النظام المدرسي، والمدرسة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، أدت إلى خلل أصاب المجتمع عموما.

وتعتبر العلاقة العمودية الأساس في العلاقات الأسرية والمدرسية في مجتمعنا الآن، فيتم التمييز في الحقوق؛ الذكر عن الأنثى والمعلم عن التلميذ، فتؤدي هذه العلاقة بالنتيجة إلى ضعف ارتباط المواطن بوطنه، ويتحقق الولاء للأسرة والعشيرة. والحل هو بإنشاء العلاقة الأفقية، التي يتم من خلالها تطبيق القانون على الجميع، من دون استثناءات أو استرضاءات على حساب الأنظمة، ومن واجب المدارس العمل على تغيير هذه المفاهيم وإرساء العلاقة الأفقية، للمساهمة في إصلاح المجتمع، بدلاً من أن تكون داعمة لتخلفه وتراجعه.

المدارس تتشابه في منظومتها مع الحكومات، فالمدير يحاكي الرئيس في مسؤولياته، والمدرسون أشبه بالوزراء، والطلاب هم المواطنون في دولة المدرسة، والاتحادات الطلابية هي المعارضة، ولكن الجميع أمام القانون سواء.

فإذا كانت منظومة الهيئة التدريسية صحيحة، فإن الطلاب سينجحون في التأقلم مع منظومة الدولة، وينشأون أعضاء فاعلين في المجتمع يحترمون سيادة القانون وسلطته.

**

نموذج الجامعات الأميركية

نجحت الجامعات الأميركية والغربية في صياغة نموذج متميز لطلبتها، وهو ما ساهم في تخريج قياديين ومسؤولين على مستوى عال من الكفاءة والمهنية والتأثير في المجتمع. وقد لعبت الجامعات الأميركية في الوطن العربي دورا مشابها. تقول ريناد الريماوي التي تدرس في الجامعة الأميركية في الشارقة، إنها تشعر بانتمائها إلى مجتمع واحد، فالجميع يعرفون بعضهم بعضا ويساعدون الآخرين. "عنا العلاقات ممتازة بين الجميع، في عنا أندية في الجامعة تساعد في هذا التناغم، وأهمها نادي الخدمة الاجتماعية، والحلو إنو الطلبة هم اللي بشتغلوا فيها". وتضيف أن فترة الانتخابات تشهد حراكاً مميزاً في الجامعة، فتنتشر ملصقات المرشحين وتنطلق البرامج الانتخابية. "الكل بيقدر يترشح، ما فيه حكي عن جنسيات أو عائلات، هون فيه جنسيات مختلفة والكل بيسأل شو ممكن يعمل هذا المرشح".

وخارج إطار الدراسة، يعمل المجلس الطلابي لديهم، على إقامة كثير من الأنشطة والأعمال المنظمة، فيقيم صلات بين الطلاب، من خلال إقامة المعارض والمحاضرات، ما يؤدي في النتيجة إلى تكون وعي وانتماء عند الطالب لجامعته، وهو ما يساهم في تعميق الانتماء الوطني الذي يعد أساس قيام المجتمع المدني المتحضر.

عندنا، فقدت الجامعات دورها الرئيسي في تخريج طلاب قياديين وفاعلين في المجتمع، ويرجع خبير التربية حسني عايش ذلك إلى زيادة نسبة الكوتات بمختلف أنواعها في الجامعة لتتجاوز النصف، ما جعل القبول في الجامعات يتم على أساس قبلي ومناطقي، بدلاً من الاعتماد على المعايير العلمية والأسس الصحيحة للقبول. كما أن أساتذة الجامعات لم يعودوا بالمستوى العلمي نفسه الذي كانوا عليه قبلاً، "أكثر من واحد منهم ما بعرف يركب جملة مفيدة". ويرى طالب رفض ذكر اسمه أن "العلة تكمن في طريقة التدريس ككل، وفي طريقة تعاطي المدرسين مع المشاكل التي تحدث في الجامعة».

**

"جَمعات" وزيارات عائلية للمساجد

تجتمع نساء الحي يوم الأربعاء من كل أسبوع عند إحدى الجارات، فيقمن بقراءة القرآن، وتأخذ إحداهن دور المعلم في القراءة الصحيحة، ثم تتحدث إليهن ببعض الأمور الدينية، وتوجه النساء نحو الطريقة التي يمكن من خلالها تربية أبنائهن على القيم الإسلامية.

هذه "الجمعات" عادة ما تحدث في الصباح بدأت تحل رويدا رويدا محل الجمعات التقليدية، حيث كانت تجتمع النساء على قهوة الصباح، أو "الصبحية" ليتحدثن في أخبار الحارة، ولا بأس في "النم" على الجارات الأخريات.

بعض المساجد انتبهت إلى أهمية هذه التجمعات التي انتشرت في مناطق عمان، الشرقية منها والغربية، فبدأت تنظم بعض الدروس الدينية للنساء، حيث تتحدث بعض "الداعيات" في مواضيع تربوية وترشدن إلى التصرفات السليمة للنساء. أم أحمد التي تحضر الدروس الدينية باستمرار؛ أكثر من مرة في الأسبوع، تقول إن هذه الجمعات أفضل من التقليدية منها "إحنا بنستفيد من وقتنا، بدل الحكي الفاضي، والمواضيع اللي ما إلها لزمة". ولكن جارتها أم خالد تخالفها الرأي، إذ إن الدروس الدينية مكانها الجامع، كما ترى "في خطبة الجمعة، بنسمع الشيوخ اللي عالتلفزيون، يعني الواحد بتثقف في دينه" أما الجمعات في البيوت، فيجب أن تتبادل فيها النساء الأخبار، وتفضفض عن مشاكلهن ومتاعبهن.

وتنشط بعض النساء لتكوين الجماعات، كما هو الحال مع "الطباعيات"، وهن مجموعة نساء يقمن بتنظيم الجمعات والاستقبالات، فيتم طرح التصورات لحياة النساء، ويفضلن دائماً حضور البنات صغيرات السن، ليشاركوا في هذه التجمعات. ويلاحظ أن هذه الجماعة تنشط في المدارس، ذات التوجه الديني، المعلمات يدعمن هذه الجماعات، ويساعدن في تنظيم اجتماعاتهن.

يزداد عدد النساء في مصليات المساجد، وخصوصاً أيام الجمع وفي شهر رمضان، فقد تغير المتعارف عليه بأن الرجال هم من يذهبون إلى الصلاة ويتركون النساء في البيوت. أصبحت زيارة المساجد نوعا من الزيارات العائلية التي يقوم بها جميع أفراد الأسرة.

التعليم وبناء الدولة: احترام القانون والمواطنة يبدآن في المدرسة
 
07-Aug-2008
 
العدد 38