العدد 36 - اقتصادي
 

مازن مرجي

انتهت السياسات والخطط التنموية الزراعية بتراجع أهمية القطاع الزراعي باعتباره ركيزة النشاط الاقتصادي، في بلد ظل ينظر إليه على انه بلد زراعي حتى وقت قريب.

في الحديث عن الخطط والسياسات والتوجهات الزراعية وخطط التنمية الاقتصادية للدولة الأردنية الحديثة، فإنه للأسف وعلى الرغم من التقدم الكبير من حيث استخدام الوسائل والتقنيات الزراعية المتطورة في العديد من المجالات الزراعية ،إضافة إلى انتشار مراكز الأبحاث الزراعية والكليات المتخصصة، إلا إن النتائج جاءت بعكس ما هو مرجو.

الأرقام خير دليل على أثر السياسات المطبقة بعد أن تراجعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما نسبته 3 بالمئة وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت في مساهمات القطاعات الأخرى، مثل: الصناعة، والسياحة، والتي تتجاوز ما نسبة 10 بالمئة وهذا يدل على الإهمال والتجاهل المتواصلين لقطاع الزراعة الحيوي.

ما يفاقم المشكلة الغلاء العالمي، الذي يطال أسعار النفط، والمنتجات الغذائية المصنعة، والأسعار الفلكية لأنواع الحبوب كالقمح والأرز والذرة والأعلاف.

موجات الغلاء العالمي وحالة التصاعد التي تشهدها أسعار المواد الأساسية محلياً، بالتزامن مع تخلي الدولة عن دعم المواطنين والمزارعين بوجه خاص شكل عامل إضعاف للوضع الاقتصادي مع التخبط الذي يشوب سلوك الحكومات في مجال التخطيط الاقتصادي التنموي الاستراتيجي.

ومن نتائج السياسات المطبقة تفتت الملكيات الزراعية، وتراجع الرقعة الزراعية التقليدية ، في سهول حوران، والبلقاء، والكرك وغيرها من المناطق والذي أدى لهجرة المزارعين لمهنة الزراعة، التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين، فقد تراجع أيضاً إنتاج الحبوب الاستراتيجية، فمن إنتاج ما يزيد عن 300 ألف طن قمح العام 1938 إلى انتاج ما يقل عن 17 ألف طن العام 2007 ويتوقع أن لا يتجاوز انتاج هذا العام عن 8 آلاف طن.

كثيرون ما زالوا يتذكرون مواسم الحصاد، والبيادر من القمح، والشعير، والعدس، والكرسنة، والسمسم، والحمص المكدسة في ساحات الدور العتيقة.

وانعكست الخطط التي طبقت على مدى عقود ،على حجم الإنتاج من مواد استراتيجية مثل القمح بعد أن كان الأردن مصدراً القمح إلى دول الجوار.

لقد ظل المخططون ومتخذو القرار الاقتصادي والتنموي ينظرون إلى الزراعة بعيون منافقة، تعلن من جهة اهتمامها وولعها بالزراعة وتدعي دعمها والسعي لازدهارها ولكنهم كانوا في الحقيقة يعملون عن علم وعن تجاهل، يد الهدم في أساسات وركائز البنيان والهياكل الزراعية ،وانغمست الأيادي والعقول والجهود في عملية إعادة توجيه الأولويات الزراعية باتجاه مجالات غير استراتيجية، وتركيز الاستثمارات في زراعات مكلفة أو في استصلاح أراض تستنزف كميات هائلة من المياه وفي الوقت ذاته تتعمد إهمال استغلال الأرض الخصبة الموجودة أصلاً، وتتغاضى عن عمليات تحويلها إلى غابات إسمنتية بشعة.

هذه السياسات الرسمية تنحو دائماً إلى تجاهل ما يقترف بحق الأراضي الزراعية الخصبة من اعتداءات صارخة، أدت إلى تفتيت الملكيات الزراعية وتراجع المساحات القابلة للزراعة نتيجة الزحف العمراني المتواصل، والانتشار العشوائي للبناء على حساب أجود وأخصب الأراضي الزراعية.

كما أن تعطيل إقرار وتطبيق قانون فاعل يحدد استخدامات الأراضي، يجعل من الأراضي الزراعية الخصبة بخاصة تلك التي تحيط بالمدن والقرى الأردنية هدفاً لتجار الأراضي والسماسرة ،ويحول الأرض من مصدر للنماء والإنتاج والانتماء إلى سلعة تجارية تخضع للعرض والطلب والمزايدات.

من جانب آخر، ساهمت عملية دمج البلديات والتي طبقتها الحكومة مع بداية الألفية الثالثة، في إدخال أكثر من نصف الأراضي الزراعية الخصبة ضمن حدود البلديات، ما سمح بتقسيمها إلى ملكيات صغيرة يتم ترخيصها لبناء المساكن والمرافق العامة والتجارية، ما يساهم في القضاء على أي أمل بإبقاء أي أراضٍ زراعية يمكن استخدامها في زراعة المحاصيل الحقلية الأساسية، ويؤدي إلى اتساع عملية التصحر، ويساعد في تمكين أذرع الأخطبوط الصحراوي من ابتلاع آخر معاقل الزراعة الوطنية التقليدية، ويجفف منابع الخضرة والحياة، ربما إلى غير رجعة.

ندعو إلى استغلال المساحات الواسعة من الأراضي شبة الجبلية وشبه الماطرة والتي تعتبر صالحة لزراعات الأشجار المثمرة مثل الزيتون، والتفاحيات، واللوزيات، والفستق الحلبي وكروم العنب، والتين، والصبر، إضافة للأشجار الحرجية والتي تقدرها مصادر زراعية حوالي 15 بالمئة من المساحة الكلية للمملكة، وهذا يعني أكثر من عشرة ملايين دونم إضافية، وهذا يحتاج إلى التفاتة جادة من قبل الدولة لزيادة الرقعة الزراعية من جهة ولزيادة الغطاء النباتي الذي يساهم في مكافحة التصحر ثانياً وإضافة تراكمات زراعية إنتاجية ترفع من نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملموسة الذي يعني بالضرورة معدلات دخل أعلى وفرص عمل أكثر ومعدلات فقر أقل.

من المهم أن يكون القائمون على التخطيط التنموي ومتخذو القرار الاقتصادي على وعي تام بتأثير ما يقررونه من خطط أو توجهات تنموية (المناطق التنموية، منطقة إربد التنموية، مثلاً) على الواقع الزراعي بحيث لا تكون تلك الخطط والبرامج على حساب الأراضي الزراعية الخصبة، وأن يأخذوا بعين الاعتبار البدائل المتوافرة من حيث المواقع البديلة.

خطط التنمية الزراعية تضعف القطاع وتقلل مساهمته في النمو
 
24-Jul-2008
 
العدد 36