العدد 32 - كاتب / قارئ
 

ولــد الاقتصـــادي المعــروف جون مينــارد كينز (John Maynard Keynes) في مدينة كامبريدج في المملكة المتحدة العام 1883. درس كينز الاقتصاد والحساب في كلية الملوك (Kings College) وتأثر كثيراً بالاقتصــادي الكبير الفريد مارشال (Alfred Marshal). وبعد تخرجه، عمل كينز مدرساً للاقتصاد في الكلية نفسها.

وإضافة لعمله أستاذاً جامعياً، قام كينز بتقديم خدمات كثيرة للحكومة البــريطانيــــة، نذكر منهـــا على سبيـــل المثـال: حضـور مـؤتـمر فرســاي للســـلام (Versailles Peace Conference) وترؤس الوفد الإنجليزي لمؤتمر بريتون وودز (Bretton Woods Conference) الذي أقيم تحت اشراف صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) في مدينة نيو هامبشاير في الولايات المتحدة الأميركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية العام 1944.

وفي هذا المؤتمر، اتفقت الدول الأعضاء على تبني نظام سعر صرف ثابت (fixed exchange rate system) لعملاتها ليس فقط مقابل الذهب بل أيضاً مقابل عملة كل من الدول الأعضاء في هذا النظام الذي عرف أيضاً بمعيار سعر صرف الذهب (Gold Exchange Standard).

وتحت بنود هذا النظام أو الاتفاقية، تمت الموافقة على السماح لكل دولة أن تغيّر من قيمة عملتها بنسبة 10بالمئة على الأكثر لتصحيح أي اختلال أو عدم توازن أساسي في ميزان مدفوعاتها (fundamental disequilibrium in the balance of payments). أما إذا رغبت إحدى الدول الأعضاء في رفع أو خفض قيمة عملتها بنسبة أكبر من 10بالمئة، فعليها حينئذ أن تحصل على موافقة الصندوق بذلك.

وبالعودة الى موضوعنا، قام كينز باقتراح عدة مبادئ عن الاقتصاد الكلي (macroeconomics) لاقت رواجاً كبيراً لدى الدوائر الحكومية وفي أوساط المؤسسات الأكاديمية مثل: الجامعات والكليات،

وقد تم نشر هذه المبادئ الاقتصادية في كتابه "النظرية العامة للعمالة، والفائدة، والنقد" (general theory of employment, interest, and money) الذي نشر العام 1935. فمن ضمن هذه المبادئ، يقول كينز إنه يمكن للاقتصاد أن يكون في حالة توازن (equilibrium)حتى ولو كانت العمالة أقل من كاملة (less-than-full employment)، أي حتى وإن كان هناك أفراد غير عاملين (unemployed workers) أو مصانع واقفة أو متعطلة عن العمل (idle plants). وأن خفض سعر الفائدة لا يؤدي بالضرورة الى تحفيز استثمار الأعمال (business investment) بالقدر الكافي الذي من شأنه أن يضمن عمالة كاملة.

وان تخفيض معدلات الأجور (wage rates) لا يعتبر تصحيحاً أو علاجاً كافياً للبطالة (unemployment)، إذ إن هذا العلاج ليس ممكناً بسبب رفض أو مقاومة العمال/الموظفين لخفض الأجور. وإذا افترضنا جدلاً أن هذا الحل ممكن، فإن هذا سوف يؤدي بدوره الى تقليص مستوى دخل المستهلك (consumer income) وبالتالي تخفيض معدل الطلب الاستهلاكي (consumer demand)، الأمر الذي من شأنه أن يجعل أصحاب العمل يوظفون عدداً أقل من العمال/الموظفين. وبناء عليه، فإن كينز يقترح أنه من الأفضل العمل على زيادة معدلات الطلب الكلي/الإجمالي (total or aggregate demand) عن طريق رفع مستوى الانتاج (production)، بدلاً من تغيير معدلات الأجور.

ثم ينتقل كينز الى موضوع النقد (money) إذ يقول إن النقد يعتبر عاملاً مهماً في تحديد نسب الناتج والعمالة (output and employment). ففي نظر كينز، فإن ما يحدد معدل سعر الفائدة هما العرض، والطلب على النقد (supply of and demand for money). فسعر الفائدة مثلاً يؤثر على حجم الاستثمار وهذا يؤثر على الطلب الكلي الذي بدوره يؤثر على مستويات الناتج والعمالة. أما إذا كانت هناك زيادة في المعروض النقدي (money supply) فإن هذا سوف يؤدي الى تخفيض معدل الفائدة، وبالتالي زيادة حجم الاستثمار، ومن ثم زيادة نسب الناتج والعمالة اللذين سيؤديان بالنتيجة الى العمل على رفع معدل التضخم (inflation rate) أو المستوى العام للأسعار (general level of prices). وبهذا يكون كينز قد أوجد ما يسمى بالنظرية المتكاملة للنقد والناتج والعمالة والأسعار (integrated theory of money, output, employment, and prices) التي تخالف بمضمونها، ومحتواها، وجوهرها، وافتراضاتها، ومقترحاتها نظام العالمين الكلاسيكي (the classical two-worlds system) الذي يضع الناتج والعمالة في كفة، والنقد والأسعار في كفة أخرى. فبيد أن العمالة والناتج يتم تحديدهما من خلال التحكم بمعدلات الأجور وسعر الفائدة، فإن مستوى الأسعار يتم تحديده فقط من خلال المعروض النقدي.

وفيما يتعلق بالدور الفاعل للحكومة وضرورة تدخلها (government intervention)في تحديد مسار الاقتصاد أو التحكم في مجرياته، يقول كينز إن الميزانية الحكومية (government budget) تعتبر آلية شديدة الأهمية في تنظيم الطلب الكلي (regulating aggregate demand). فإذا كانت العمالة أقل من كاملة، فإن رفع نسبة الطلب الكلي ممكن أن يتم إما من خلال زيادة النفقات الحكومية (government expenditures) أو من خلال العمل على تخفيض معدلات الضريبة (tax cuts)، أي من خلال تبني الحكومة لسياسات مالية (fiscal policies) بدلاً من الأخذ باجراءات نقدية (monetary measures) مثل: تغيير معدلات أسعار الفائدة/الخصم الرئيسي، أو رفع الاحتياطيات الإلزامية/الإجبارية (reserve requirements) للبنوك التجارية لدى البنوك المركزية، أو إصدار سندات أو أذونات خزينة (treasury bonds or notes) مثلاً، إذ إن مثل هذا التوجه (أي تبني الحكومة لسياسات نقدية) قد لا يكون فعالاً جداً، لا سيما في حالات الكساد الاقتصادي الشديد (severe economic depression).

ويضيف كينز إنه لإبقاء الاقتصاد قريباً من العمالة الكاملة، فإن الحكومة عليها أيضاً مسؤولية تنظيم الطلب الكلي من خلال التدخل المباشر (direct intervention) للمؤسسات الاقتصادية وذلك للتأثير على دورات النشاط الاقتصادي (business cycles) والعمل على تصحيح أية عيوب أو انحرافات في مساراته أو مجرياته التقدمية.

د. اميل قسطندي خوري

كينز .. ومبادئ في علم الاقتصاد
 
26-Jun-2008
 
العدد 32