العدد 22 - أردني
 

خليل الخطيب

حكاية الطفل حمزة، ربما تحدد الأسباب الكامنة وراء وقوع الأخطاء الطبية في الأردن. تروي والدته الممرضة نوال محمد حكاية ابنها فتقول: "بدأت المشكلة عندما أجرينا لحمزة عملية طهور في أحد المستشفيات الخاصة؛ حيث لاحظنا أنه بقي ينزف بصورة غير معتادة في مثل هذه الحالات، وقد عرفنا أن السبب يعود إلى أن الطبيب قد تجاوز المنطقة المحددة في عملية الطهور، إذ كان الجرح أعمق مما ينبغي، لكن الجرح عاد إلى طبيعته بعد "عملية تقطيب". وتمضي الأم المكلومة قائلة: "وحين بلغ شهره العاشر، وبدأت أضراسه بالظهور، لاحظنا أن هناك نزيفاً قوياً في اللثة، فأدخلناه إلى مستشفى خاص آخر، حيث لم تستطع الطبيبة السيطرة على النزيف الذي بدأ يؤثر على الرئة بسبب تسرب كميات من الدم إلى داخلها، فأعطته جرعات زائدة من الأدوية التي تساعد على تجلط الدم، فتجلط دمه داخل الشرايين ما أدى إلى وفاته".

وتتابع نوال بحرقة وألم: "لقد تبين لنا فيما بعد أن حمزة كان مصاباً بمرض الهيموفيليا الذي لا يتجلط بسببه دم المريض إذا تعرض للجرح، لذا فإن أول إجراء كان ينبغي أن تتخذه الطبيبة هو إجراء فحص الدم الخاص بهذا المرض".

الحرقة والألم لم يدفعا أسرة حمزة إلى التقدم بشكوى في حق الطبيبة والمستشفى الذي عولج فيه، فاجتمعت أركان استفحال الأخطاء الطبية؛ سوء الإدارة والإهمال والتغاضي والتستر. سوء الإدارة تمثل في السماح للطبيب بالاستمرار في معالجة حالة لم يدرسها جيدا. والإهمال تمثل بعدم قيام الطبيب بالإجراءات الطبية الأصولية قبل إعطاء الأدوية كفحص الدم في هذه الحالة. والتغاضي الذي مارسته أسرة الطفل التي لم تقدم شكوى بحق الطبيبة، وأسلوب التستر الذي مارسه الكادر الطبي المطلع على الحالة في المستشفى.

هذه بعض أهم أسباب وقوع الأخطاء الطبية، بحسب رئيس قسم الإدارة الصحية في كلية الطب-جامعة العلوم والتكنولوجيا ياسين الهياجنة.

سياسة الكمكرة

"لا توجد في الأردن دراسات أو إحصاءات رسمية لعدد الأخطاء الطبية،" يؤكد الهياجنة. ويتابع: "الأخطاء الطبية موجودة في جميع دول العالم، في أميركا يموت بسببها 100 ألف مريض سنوياً، ومع ذلك هناك من ينكر وجودها عندنا".

ويستنتج أنه بافتراض أن مستوى الخدمات الصحية في الأردن مماثل لمستواها في أميركا، فإن عدد الوفيات الناجمة عن الأخطاء الطبية في الأردن قد يصل إلى 1800 حالة، عدا عن آلاف الحالات المتضررة دون وفاة.

ويُعبّر الهياجنة لـ«ے» عن قلقه إزاء السياسة المتبعة رسمياً مع ملف الأخطاء الطبية فيقول:" المقلق هو سياسة "الكمكرة"، أي الإخفاء والتغاضي في التعامل مع الأمر".

وقال الهياجنة الذي كتب أكثر من مقال حول الموضوع في مدونته التي يدعو فيها القراء لتزويده بما يعرفونه:" بحكم طبيعة عملي أعتقد أن الظاهرة يجب أن تدرس وترصد إحصائيا لمصلحة المريض ولمصلحة المنظومة الصحية".

ويشير إلى دراسة يقوم بإعدادها فيقول: "الممرضون الأردنيون يعتقدون، وفقا لنتائج إحدى استبانات الدراسة،أن 28بالمئة من المرضى في المستشفيات الأردنية معرضون للأخطاء الطبية".

وبالاستناد إلى الدراسة نفسها يلفت الهياجنة إلى أن" الممرضين يرون أن أغلب هذه الأخطاء يتركز في الوصفات الطبية والإهمال" والإهمال بحسب الهياجنة هو"عدم الالتزام بالأصول والإجراءات العلمية في ممارسة العمل في القطاع الصحي".

وبحسب هذا التعريف فإن" أي عامل في القطاع الصحي يمكن أن يكون سببا لوقوع الخطأ، فليس الخطأ الطبي محصورا بالأطباء".

أمين سر نقابة الأطباء باسم الكسواني يرفض أرقام الهياجنة، ويرى أن الأخطاء الطبية في الأردن تتعرض للتضخيم بهدف ضرب القطاع الصحي الأردني المشهود له بالكفاءة: "المستشفيات في الأردن أخذت تعمل بأسلوب الفريق في معالجة المرضى، ما يقلل من احتمالات وقوع الأخطاء إلى الحد الأدنى."

"سوء الإدارة" في رأي الهياجنة هو السبب الأهم في وقوع الأخطاء الطبية، ومن أكثر أشكال سوء الإدارة شيوعا في المستشفيات الأردنية في رأيه:

"تسليم إدارة المستشفيات للأطباء، تسليم إدارات التمريض حسب الأقدمية وليس حسب الكفاءة العلمية، نقص الكوادر الطبية والتمريضية، ما يجعلها تعمل تحت ضغط كبير، اعتماد المستشفيات الخاصة على أطباء من خارج المستشفى، تقديم حوافز مادية للأطباء اعتمادا على كمية العمل لا نوعه".

رأي القانون

تنظر المحامية أسمى خضر إلى الموضوع من زاوية القانون، فتلاحظ "عدم وجود تشريع متخصص بالمساءلة الطبية، ما يجعل القضية غائمة وبعيدة عن التحديد".

ويترتب على ذلك في رأيها أن "القضاء عندما يعالج قضية خطأ طبي يستند إلى ذوي الخبرة، وهم الأطباء، وهنا يصبح الشاهد محل شك لأنه، نظريا، في طرف المدعى عليه بحكم الاشتراك في المصلحة المهنية".

يؤيد الهياجنة ما ذهبت إليه خضر، ويضيف: "إحساس الطبيب الشاهد بأنه قد يكون يوما ما في مكان الطبيب المتهم يجرح شهادته بكل تأكيد".

الكسواني يعتقد أن وجود قانون متخصص في قضايا الأخطاء الطبية أمر "غير أساسي حيث أن قانون نقابة الأطباء يغطي هذه المسألة على نحو جيد".

فقانون النقابة، بحسب الكسواني "يحتوي على جميع مراحل التقاضي المدني، فهناك لجنة الشكاوى التي تمثل الإدعاء العام، مجلس التأديب برئاسة النقيب ويمثل محكمة البداية، المجلس التأديبي الأعلى برئاسة وزير الصحة ويمثل محكمة العدل العليا".

حلول مقترحة

الكسواني يرى ضرورة "التعامل مع الموضوع بشفافية ونزاهة" مؤكداً أن النقابة "لا تنحاز إلى الطبيب، وإنما إلى مصلحة المريض والقطاع الصحي".

ويرى الكسواني أن" تأسيس صندوق تكافلي يدفع للمتضررين في حال وقوع الخطأ سيساهم في حل هذه القضية بشكل يراعي مصالح الجميع".

الهياجنة الذي يتفق مع الكسواني فيما يتعلق بضرورة إنشاء صندوق للتعويضات يرى أن أساس الحل لهذه المشكلة يكمن في ثلاثة أمور هي: " التوقف عن سياسة الكمكرة والاعتراف بوجود المشكلة كون جميع المهن والأعمال تتضمن الأخطاء". والثاني التوقف عن "التعاطي السلبي الاتهامي العقابي مع الطبيب والاهتمام بالتوعية والتدريب والبحث عن مسببات الأخطاء والتخلص منها". أما الثالث، وهو الأهم برأي الهياجنة "التصدي بشكل فعال لمشكلة سوء الإدارة والتخلص من مظاهرها المختلفة".

الخلاف على مسببات الأخطاء الطبية،وحجم هذه الأخطاء، وأنواعها، ودرجة شيوعها، والمسؤولية القانونية والأخلاقية المتعلقة بها، ستبقي الجدل مفتوحاً إلى ما لا نهاية، وستبقي قضية الأخطاء الطبية في الأردن تراوح بين الآمال بشفافية تكشف حقيقتها، وتمهد لحلها، وبين سياسة إغفال وتغاض تندرج في إطار "سياسة الكمكرة".

تعويض يتيم

اللجنة التأديبية في نقابة الأطباء تحقق في مئتي شكوى سنويا أغلبها يتعلق بتكاليف العلاج، كما صرح أمين سر النقابة باسم الكسواني للسجل.

لم يسبق في الأردن أن حكمت محكمة بالتعويض لمريض وقع ضحية لخطأ طبي إلا في حالة الطفل معتصم الذي فقد ذكورته نتيجة لخطأ طبي إثر عملية فتق مغبني.

الخطأ وقع في أحد المستشفيات الحكومية عام 1999 وصدر حكم المحكمة عام 2007. قضى الحكم بدفع تعويض مقداره 281 ألف دينار إضافة إلى الفوائد عن فترة التقــاضي. كمــا ورد في الرأي في 4/ 2 /2008 .

الأخطاء الطبية.. ظاهرة تفاقمها سياسة “الكمكرة”
 
17-Apr-2008
 
العدد 22