العدد 17 - دولي
 

لم يحقق الحزب الاشتراكي الإسباني نصراً حاسماً بأغلبية مطلقة للحزب في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فقد أشارت النتائج النهائية إلى حصول الحزب الاشتراكي على 43.63 في المئة من الأصوات ما يمنحه 169 مقعداً من إجمالي مقاعد البرلمان البالغ عددها 350 مقعداً، أي بسبعة مقاعد أقل من العدد المطلوب للفوز بالأغلبية المطلقة التي تشترط الفوز ب 176 مقعداً. أما الحزب الشعبي المعارض بزعامة ماريانو راخوي ففاز ب 40.12 في المئة من الأصوات لتصل مقاعده في البرلمان إلى 153 بزيادة خمسة مقاعد عن انتخابات 2004 .

وقد اعترف راخوي بهزيمة حزبه ووجه التهنئة إلى ثاباتيرو.

رغم ذلك، فإن رئيس الوزراء ورئيس الحزب الاشتراكي الإسباني خوسيه ثاباتيرو حقق نصراً خاصاً به، إذ أزاحت النتيجة عنه صورة «رئيس الصدفة» التي التصقت به حين فاز في الانتخابات التشريعية السابقة في العام 2004، في صورة غير متوقعة، فقد كانت جميع استطلاعات الرأي آنذاك ترجح فوز الحزب الشعبي الإسباني بأغلبية مريحة إلى أن حدثت، قبيل الانتخابات، تفجيرات محطة القطارات المركزية في مدريد وأودت بحياة 190 شخصاً وجرح فيها نحو 1800 شخص. حينذاك تسرع رئيس وزراء إسبانيا اليميني خوسيه ماريا أثنار وأنحى باللائمة على منظمة «إيتا» الباسكية التي تطالب بالانفصال عن إسبانيا، واتهمها بأنها وراء التفجيرات، لكن التحقيقات أظهرت أن تنظيم القاعدة هو الذي قام بالتفجيرات، ما يعني أنه كانت هناك علاقة بين التفجيرات وبين الحرب التي تقودها أميركا على العراق. وقد أحدث هذا الكشف تحولا في اتجاهات الرأي العام الإسباني، الذي شعر بكذب رئيس الوزراء السابق، وبأنه ألقى بتهمته لأسباب سياسية لينفي أي ربط بين الحرب الأميركية على العراق والتفجيرات، فما كان من الناخب الإسباني إلاّ أن صوت «في الدقيقة الأخيرة» للحزب الاشتراكي الإسباني بقيادة ثاباتيرو، وليصبح بعد ذلك رئيس الدقيقة الأخيرة، أو رئيس المصادفة، وهي صفة التصقت به حتى الانتخابات الأخيرة.

غير أنه بدا وكأنه قد جاء لينفي هذه الصفة عن نفسه، فبدأ في اتخاذ خطوات على درجة كبيرة من الجرأة حال فوزه في انتخابات 2004، فسارع لتنفيذ وعده الانتخابي بسحب القوات الإسبانية من العراق معتمدا على استطلاعات الرأي التي كانت تشير إلى معارضة واسعة للمشاركة في الحرب الأميركية على العراق، وشرّع السماح بزواج مثليي الجنس، وسهل من إجراءات الطلاق بإقرار «قانون الطلاق السريع»، وهي خطوات أثارت غضب الكنيسة الكاثوليكية المحافظة والمعارضة اليمينية في الوقت نفسه. كما أقر سياسة جديدة للتعامل مع الهجرة غير الشرعية، في بلد دخله خلال السنوات الخمس الماضية نحو خمسة ملايين مهاجر، وتشكل نسبة المهاجرين فيه نحو 10 في المئة، فمنح نحو 700 ألف منهم تصاريح عمل وإقامات شرعية.

كما أفشل ثاباتيرو خططاً كانت ترمي إلى جعل الدروس الدينية جزءاً من المنهاج الدراسي الرسمي، وأقر تشريعاً للمساواة بين الجنسين، وقانوناً آخر مثيراً للجدل يعطي الحق لأقارب الضحايا من الجمهوريين الذين قتلوا في الحرب الأهلية الإسبانية بالتقدم بشكاوى لإنصافهم، وهي خطوة حذر منها اليمين وبعض اليسار لأنها، كما رأوا، تثير آلاماً وتفتح جروحاً قديمة، لكن ثاباتيرو الذي أعدم جده لوالده الذي كان جمهورياً، على أيدي القوات الوطنية أصر على إقرار القانون الذي حمل اسم «قانون الذاكرة التاريخية».

في برنامجه الانتخابي الذي فاز على أساسه احتل الاقتصاد حيزاً مهماً، وبخاصة أنه بدأ يأخذ أخيراً منحى تنازلياً بعد أن كان حقق نسب نمو مرتفعة خلال السنوات العشر الماضية ناهزت 4 في المئة، إذ يتوقع اقتصاديون انخفاض هذه النسبة إلى 2.5 في المئة، ولا سيما مع التأثير السلبي لأزمة الائتمان العقاري الأميركي على قطاع العقارات في أوروبا بمن فيها إسبانيا. وهنالك أيضاً البطالة التي بلغت في شباط الماضي نحو 9 في المئة، وعلى الرغم من انخفاضها من 11 في المئة في العام 2004، فإنها مازالت تعتبر النسبة الأعلى في أوروبا. أما التضخم الذي وصل نسبة 4.4 في المئة، فهو أيضاً يشكل أعلى نسبة في منطقة اليورو.

وعلى أي حال، فإن صورة الاقتصاد ليست قاتمة تماماً، فقد أصدر مركز «يوروستات» المعني بشؤون الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي بيانات أشارت إلى أن الفرد الإسباني أصبح أخيراً أغنى من الفرد الإيطالي، وهو ما جعل ثاباتيرو يقول إنه الآن بصدد اللحاق بفرنسا وإيطاليا. لم يعد ثاباتيرو رئيس الدقيقة الأخيرة، وربما كانت تلك الحقيقة وراء الروح المرحة التي ظهر بها الرئيس الاشتراكي ذو السبعة والأربعين عاماً والذي طبع الحزب بطابعه الشخصي، مثلما فعل توني بلير يوماً بحزب العمال البريطاني، وهو يخاطب جماهير حزبه ليلاً بعد إعلان فوزه المريح قائلاً: «تصبحون على خير، وحظا سعيدا»، مستعيراً اسم فيلم هوليودي شهير.

الحديد يواصل التحليق فوق 800 دينار للطن: ارتفاع الأسعار مسؤولية الحكومة والمصانع
 
13-Mar-2008
 
العدد 17