العدد 10 - اجتماعي
 

«ليس مهماً التخصص الذي تحمله، أو الجامعة التي تخرجتَ فيها، المهم أن يسبق حرف الدال اسمك، حينها ستتغير نظرة الجميع لك»، يقول «الدكتور إياد» لـے.

عمل «الدكتور إياد» جاهداً لنيل هذا اللقب، وسافر إلى أحد بلدان أوروبا الشرقية، عندما كانت تدور في فلك المعسكر الاشتراكي، ونال الشهادة الذي تمنى لقبها طويلاً في تخصص «العلوم الحزبية الاشتراكية»، وهو تخصص بالكاد تعترف به الجامعات حالياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

مع ذلك، فإن «الدكتور إياد» يشعر براحة وسعادة كبيرتَين، إذ يقال له «دكتور» كلما وُجّه حديث إليه، وهو ما يملؤه «فخراً» في ظل «مجتمع يتسم إجمالاً بالتفاخر في الألقاب العلمية، بصرف النظر عن المنجز العلمي لصاحبه»، كما يعترف بنفسه.

يقول «الدكتور إياد» إن أهله وأقربائه ومعارفه صاروا ينادونه بـ«الدكتور» منذ اليوم الأول لتسجيله في برنامج الدكتوراه، بوصف ذلك قد تحقَّقَ فعلاً.

نظرة «التفاخر الاجتماعي»، التي انسحبت على الألقاب العلمية، وبخاصة أرفعها، ربما دفعت بالآلاف من أبناء البلاد إلى نيل اللقب من أي جامعة كانت، وفي أي تخصص كان. وهو ما أنشأ حالة «غير طبيعية» في المجتمع، إذ برزت ظاهرة العاطلين عن العمل من حمَلة الدكتوراه، وسط نقص واضح في عدد لا يُستهان به من تخصصات علمية في الجامعات، ما أسهم بالتالي في تردّي الوضع التعليمي في المملكة.

«أتممتُ دراسة الدكتوراه في القانون كي أصبح أستاذاً في الجامعة، وقد أُصبح قاضياً، فأنا من عائلة كبيرة ومعروفة. نلت الشهادة قبل ستة شهور، لكنني ما زلت عاطلاً عن العمل»، يقول أحمد لـے.

أحمد، 33 سنة، نال شهاداته في مجال القانون من جامعات أردنية، على نفقة والده وبعد عناء طويل مع التوجيهي، فبعد إخفاق استمر لخمس سنوات نجحَ أخيراً في السنة السادسة.

مشكلة العاطلين عن العمل من حمَلة درجة الدكتوراه طفت على السطح في شباط/فبراير 2000 عندما شكّل نحو خمسين منهم لجنة ونظموا اعتصاماً أمام مبنى رئاسة الوزراء مطالبين الحكومة بالضغط على الجامعات الرسمية والأهلية لإيجاد فرص عمل لهم. وقد شكّل مجلس الوزراء في حينها لجنة وزارية لمتابعة أمر إيجاد فرص عمل لحوالي 200 من حمَلة شهادة الدكتوراه بمختلف التخصصات.

لكن المشكلة ما زالت قائمة بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة للعام 2008 التي أظهرت أن معدل البطالة بين حمَلة شهادات بكالوريوس فأعلى بلغ 15.5 في المئة. ومن اللافت أن نسبة البطالة بعامة تزيد بارتفاع المستوى التعليمي، حيث تصل بين الأميين إلى 7 في المئة، وبين الحاصلين على الشهادة الثانوية إلى 9.9 في المئة، والدبلوم المتوسط 12.6.

المشكلة أثيرت مجدداً في حزيران/يونيو 2009، عندما نشرت صحيفة السوسنة الإلكترونية بياناً أصدره عدد من الحاصلين على درجة الدكتوراه من جامعات رسمية (الأردنية واليرموك ومؤتة)، طالبوا فيه رئيس الوزراء، ووزير التربية والتعليم العالي، ورؤساء الجامعات الأردنية الرسمية والأهلية، النظر بعين المساواة بينهم وبين خريجي الجامعات الأجنبية.

وجاء في البيان: «إننا نواجه شبه إجماع من قبل معظم رؤساء الجامعات الأردنية الرسمية بعدم التعيين، والحجج كثيرة، من أهمها عدم القدرة هؤلاء الخريجين على التحدث باللغة الإنجليزية، وقد أصبحت هذه الظاهرة عامة، وفي بعض الجامعات يتم رفض طلبات التعيين بطرق مزاجية ومن دون أي معايير مهنية وعلمية دقيقة».

البيان طالبَ الحكومة بدراسة أوضاع خريجي الجامعات الأردنية من حمَلة الدكتوراه، كلٍّ على حدة، عن طريق تشكيل لجنة محايدة من الحكومة ووزارة التعليم العالي والجامعات، تضع معايير وشروطاً معلنة ومتعارفاً عليها لتعيين أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية.

البيان جاء «احتجاجاً» على توجهات حكومية أعلنها وزير التعليم العالي وليد المعاني في أيار/مايو 2009، لابتعاث 1200 طالب للدراسة في جامعات أجنبية لغايات التعيين في الجامعات كأعضاء هيئة تدريس.

خطوة الابتعاث جزء من خطة عمل كاملة عُرضت على مجلس الوزراء لتطوير التعليم العالي وإصلاحه، بتكلفة 400 مليون دينار ولمدة 5 سنوات.

تعود مشكلة البطالة بين حمَلة شهادة الدكتوراه إلى عاملين رئيسيين، يتفق عليهما الوزير المعاني ورئيس الوزراء الأسبق عدنان بدران. الأول عدم أخذ حاجة السوق في الحسبان واختيار تخصصات لا تحتاجها الجامعات، بل ولديها فائض منها. فهنالك نقص شديد في أعضاء هيئات تدريس الجامعات الأردنية التي تحتاج إلى حمَلة الدكتوراه، ولكن في تخصصات معينة. والعامل الثاني هو المستوى المتدني لبعض حمَلة الدكتوراه، والذي يؤدي إلى رفض تعيينهم في هيئات تدريس الجامعات.

«الجامعات تتفاوت في مستوياتها، والمطلوب هيئات تدريسية على مستوى جيد قادرة على تخريج طلبة أكْفاء. خريجو الدكتوراه في التخصصات النادرة ومن جامعات جيدة يفرضون شروطهم لأنهم ندرة»، يقول المعاني لـے.

من جهته، يرى بدران أن الجامعات الرسمية لم تحقق بعد حاجتها من أعضاء الهيئة التدريسية في التخصصات المختلفة، فهناك فقط «اعتماد لـ 25 في المئة من هذه التخصصات»، والسبب يعود إلى نقص عدد أعضاء هيئات التدريس، وليس إلى نقص في البناء أو المساحة أو التجهيزات أو المكتبة. لذلك لجأت الجامعات إلى ابتعاث أعداد كبيرة إلى الخارج خلال العامين الأخيرين للحصول على درجة الدكتوراه في التخصصات الناقصة في الجامعات الرسمية والخاصة، رغم ما يتطلبه هذا من «تكلفة عالية» بحسب تعبيره.

«هناك فائض في عدد حمَلة الدكتوراه في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية واللغة العربية وآدابها، وهم الفئة المتعطلة عن العمل»، يقول بدران موضحاً أنه في حين تشهد تخصصات في مجال التربية تكالباً عليها، هناك نقص في تخصص تربية الطفل مثلاً، وهذا النقص يعود إلى عدم كفاية عدد المتخصصين في هذا المجال.

ولكي لا نفقد الفئة المتعطلة عن العمل من حمَلة الدكتوراه، يقترح بدران إعادة تأهيلهم وتخصصهم في مجالات مطلوبة. يقول: «أنصح الراغبين بنيل درجة الدكتوراه أن يتوجهوا نحو التخصص المطلوب قبل السعي وراء اللقب بدافع اجتماعي والتورط باختيار تخصص لا تحتاجه السوق».

لكن عملية إعادة تأهيل هذه الفئة، كما يؤكد المعاني، صعبة ومكلفة: «هم المسؤولون عن اختيار تخصصات غير مطلوبة، لذا عليهم أن يتحملوا نتيجة ذلك». ويضيف: «ديوان الخدمة المدنية يعلن باستمرار عن قوائم بالتخصصات المطلوبة، والجامعات أغلقت التخصصات غير المطلوبة. أما التخصصات المطلوبة فلا تستطيع الجامعات فتح أقسام لها لعدم وجود هيئات تدريس مختصة وبالمستوى المطلوب لذلك».

يعتقد المعاني أن عدد حمَلة درجة الدكتوراه في الأردن «كبير»، وأنه «لا حاجة لهذا العدد قياساً بمجموع عدد السكان». فبحسبه، هناك 7000 عضو هيئة تدريس و1632 طالب دكتوراه في الجامعات الحكومية، و700 طالب دكتوراه في الجامعات الخاصة، و25 ألف طالب ماجستير قد يتجه معظمهم إلى مواصلة دراستهم لنيل درجة الدكتوراه.

أما العدد الفعلي لحمَلة درجة الدكتوراه في الأردن فهو غير متوفر، باستثناء بيانات مسح نفقات ودخل الأسرة الذي نفذته دائرة الإحصاءات العامة العام 2008، وتقدر عددهم بـ8.525 فرداً، منهم 918 أنثى.

البعد الاجتماعي عامل أساسي في الطلب على التعليم بشكل عام، وتحديداً الدراسات العليا، بخاصة في الجامعات العربية والأردنية، كما يرى أستاذ علم الاجتماع موسى شتيوي. ويوضح أنه قد لا يكون لدى الشخص الكفاءة أو الاهتمام أو الرغبة في الانخراط في الحياة الأكاديمية أو الاستمرار فيها، لكنه يفعل ذلك استجابة لمتطلبات المفاخرة الاجتماعية ولما يحظى به حرف «الدال» قبل الاسم من مكانة، فضلاً عن الميل لتحسين الوضع الوظيفي، ودوافع أخرى غير أكاديمية.

المتخصص في شؤون التعليم حسني عايش، يتفق مع شتيوي وبدران في أن المكانة الاجتماعية تشكل دافعاً رئيسياً لدى الساعين للحصول على درجة الدكتوراه. ويبين أن هذه المكانة تتجلى بوجه عام في ثلاثة عناصر: مستوى التعليم (الدكتوراه)، المهنة (أستاذ جامعة)، دخل مرتفع مع امتيازات اجتماعية أخرى.

ثمة بُعدٌ آخر في المسألة. إذ إن السعي نحو نيل التقدير الاجتماعي وتحسين الوضعَين الوظيفي والمالي، دفع بعضهم إلى محاولة الحصول على درجة الدكتوراه بطرق ملتوية وغير قانونية. ففي تموز/يوليو 2009 أوصت رئاسة الوزراء بتحويل 41 موظفاً للادعاء العام بسبب «حصولهم على شهادات علمية عليا مزورة».

وجاءت هذه التوصيات إثر تشكيل لجنة ضمت ممثلين عن عدد من الوزارات لحصر الحالات ومتابعتها. وتم إبلاغ الجهات الأمنية لإلقاء القبض على المشتبَه بهم، وما زالت قضاياهم منظورة أمام القضاء، حسبما أوضح لـے المسؤول الإعلامي في وزارة التعليم العالي يوسف حميد.

الموظفون القائمون على رأس عملهم الذين تم منحهم مزايا وظيفية (تعديل وضع/أو زيادات إضافية) نتيجة حصولهم على مؤهل علمي ممن تحتاج شهاداتهم للمعادلة، بلغ عددهم 642 موظفاً، لغاية تموز/يوليو 2009، منهم 61 دكتوراه، و580 ماجستير، وواحد دبلوم عالٍ، وجميعهم ليس لهم قيود في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أي أنهم حصلوا على شهاداتهم خلال عملهم في الحكومة ولم تقيَّد الشهادات في ملفاتهم الوظيفية.

إلا أن شتيوي يرى أن قضية التزوير ليست الأسوأ، «لأن هناك من يتخرج ويحصل على شهادة بشكل رسمي، مستخدماً الواسطة أو الرشوة، لكن يصعب كشفه». ويصف هذا السلوك بـ»الكارثة» التي تحمل في ثنايا أبعاداً عدّة، أبرزها فقدان المكانة العلمية للشهادة في المجتمع، فعندما يكون هناك عدد كبير من الأشخاص الذين يمارسون وظائفهم بأداء رديء، فإن ذلك يسيء إلى سمعة الحقول التي يتخرجون منها وإلى سمعة العلم بعامة، ونوعية التدريس ومستوى الطلبة الخريجين ونوعية البحث العلمي. وفي الغالب لا ينخرط هؤلاء في البحث لأنهم غير قادرين على ذلك. ويؤدي ذلك بالتالي إلى ضعف هذه العلوم وتراجعها. «للأسف فإن معظم هذه الشهادات موجودة في العلوم الإنسانية» يقول شتيوي.

ويلفت أستاذ علم الاجتماع إلى أن عدداً ممن يحصلون على درجة الدكتوراه من جامعات غير عربية ضئيل، وفي العادة لا يعودون إلى الجامعات العربية لأن «الأجور فيها متدنية»، وبالتالي فإن النسبة الأكبر من خريجي الجامعات العربية ممن يحصلون على شهادات بطرق ملتوية يعملون فيها، وهذا «مؤشر كارثي»، بحسب تعبيره. ويضيف: «المشكلة أنه ليس في جامعاتنا تمييز بين عضو هيئة تدريس كفؤ ومتخرج في جامعة جيدة بشهادة مرموقة، وبين المتخرج في جامعة ضعيفة. لا فرق في الرتبة الوظيفية والراتب، وبالتالي لا حافز للكفاءات في جامعاتنا».

إضافةً إلى حالات تزوير شهادات الدكتوراه، يتحدث عايش عن ما يدعوه «انتشار الاحتيال» في إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه، عبر الحصول عليها من الإنترنت أو شرائها، وهذا «يجعل حامل الدرجة في ما بعد كمن لا يحملها، لأنه لم يتعلم أو يتدرب على البحث والإبداع». وفي الوقت الذي يؤكد فيه أن هذه الشهادات لا تفيد، يرى أن تعيين حمَلة هذه الدرجات في الكليات والجامعات يعني «تأبيد التخلف التعليمي أو تراجعه باستمرار».

ويقترح عايش عند تعيين حمَلة هذه الدرجات في جامعة أو كلية، «قيام لجنة من المختصين المشهود لهم بهذا الموضوع أو ذاك بمقابلة طالب العمل واختباره شفوياً وكتابياً قبل تعيينه، حتى لو كان خريج أرقى الجامعات».

جامعات أردنية تشكو نقصاً في عدد من التخصصات حمَلة دكتوراه بلا عمل - هل يكتفون باللقب الاجتماعي
 
01-Apr-2010
 
العدد 10