العدد 8 - الملف
 

في الوقت الذي يرى فيه أمين عمان الكبرى عمر المعاني أن الهيكلة الإدارية التي باشر في تنفيذها منذ ثلاث سنوات على كوادر الأمانة ودوائرها، من «أهم» إنجازاته التي يفخر بها منذ توليه قيادة الأمانة، يعتقد أعضاء سابقون وحاليون في مجلس الأمانة أن الهيكلة «لم تعد على الأمانة إلا برفع في الرواتب لكبار الموظفين بصورة مذهلة، وزيادة في البيروقراطية وتعدد المرجعيات».

المعاني، كان أكد في مقابلة مع العرب اليوم، 19 آب/ أغسطس 2009، أن «كفاءة الموظفين قد تحسنت بشكل ملحوظ، وأن عملية صنع القرار لم تعد مقتصرة على الأمين فقط، بل يشارك بها الجميع من مسؤولي الأمانة».

الأمين شرع فور تكليفه في حزيران/يونيو 2006، في الإعداد لمشروع الهيكلة الإدارية بعد أن تلقّى رسالة ملَكية حددت متطلبات المرحلة المقبلة، وضرورة الإعداد لمخطط شمولي لمدينة عمان، والوقوف على مستوى الخدمات التي تقدمها الأمانة للمواطنين.

وبحسب مدير المركز الإعلامي في أمانة عمان مازن فراجين، فإن النظام الهيكلي الجديد يرتكز على محاور هيكلية تعكس الأهداف المؤسسية والمبادئ الحديثة، وتيسير الإصلاحات الإدارية والعمليات المطلوبة، بينما لم يعد النظام السابق يفي بالاحتياجات والمتطلبات المتزايدة للمدينة، ولم يعد ينسجم مع نظام الموارد البشرية المتبع حالياً في مؤسسة بحجم الأمانة ومسؤوليتها التي تتضاعف باضطراد.

خطة الهيكلة الإدارية التي قطعت أمانة عمان شوطاً طويلاً فيها، جوبهت بهجوم طال الأمين بوصفه القائم عليها، إلا أن قائمين على الخطة من الخبراء يقولون إن هذا «رد فعل طبيعي، نظراً لمخرجات الهيكلة التي قلّصت طبقات الإدارة وتحديد المرجعيات، فأضرّت بالتالي بمصالح بعض المتنفذين داخل الأمانة».

وفرضت الهيكلة الإدارية في بدايتها الاستغناء عن عدد من المسؤولين، كان أبرزهم وكيل أمانة عمان للشؤون الصحية والبيئية عبدالحليم الكيلاني الذي نافس عمار غرايبة على منصب «مدير المدينة»، ولم يحالفه الحظ بعد فوز غرايبة بالمنصب الأول في الأمانة، فيما نُحي الكيلاني إلى وظيفة مستشار.

الهيكلة الإدارية للأمانة، وبعد عامين من الشروع بها، أطاحت بـ8 مستشارين للأمين، مرة واحدة. فقد قررت لجنة شؤون الموظفين في 27 كانون الثاني/يناير 2010 الموافقة على إحالة مروان الفاعوري المستشار للشؤون العامة، عبد الحليم الكيلاني، يوسف البورنو، محمد وليد عزت وعبد الله لطفي عايش، إلى التقاعد، إضافة إلى إنهاء عقد المستشار خالد برقان. في حين نُحي نائب مدير المدينة للشؤون المالية والإدارية محمود خليفات إلى وظيفة مستشار مالي، والمدير التنفيذي للشؤون الرياضية فهد البياري إلى وظيفة مفتش، رغم أن تعيين هؤلاء جاء بناء على منافسات الهيكلة الإدارية التي أجريت العام 2009.

اللجنة وفي الجلسة نفسها، أحالت نواف إرشيدات وعلي محمد العمري إلى الاستيداع.

المتنافسون لملء الشواغر في الأمانة، يتقدمون بعد إعلان الإدارة العليا في جميع مناطق الأمانة ودوائرها عن توافر شواغر، بشهاداتهم وخبراتهم العملية والدورات التي تحصّلوا عليها، وبعد أن يدرسها القائمون على الهيكلة يتم استبعاد من ليس له خبرات أو شهادات تساعده في إتمام مهام ذلك المنصب، ويستدعى الآخرون إلى امتحان «تحريري»، ثم إلى مقابلة شفوية يجريها أمين عمان ونائبه عامر البشير ووزير العمل في ذلك الوقت باسم السالم، ومستشارة الهيكلة الإدارية منتهى بركات، ومستشار تطوير الأداء المؤسسي إسماعيل الأسطة.

الكيلاني لم يكن الخاسر الوحيد في مشروع الهيكلة، فقد تبعه علي الأسكر مساعد وكيل الأمانة لشؤون المناطق السابق، كونه لم يرضَ أن يكون تابعاً لنائب مدير المدينة لشؤون الخدمات، وطالب أن يرتبط بمكتب أمين عمان مباشرة، عندها اصطدم مع المعاني في أحد اللقاءات وقدم استقالته، فقبلها الامين فوراً، إضافة إلى مدراء كبار خسروا مناصبهم، مثل مدير الأبنية السابق أمجد حرز الله، ومدير تطوير الموارد البشرية السابق محمود أبو الراغب.

وفقاً للمستشار الإعلامي للأمين، ناجح أبو الزين، فإن مشروع الهيكلة الذي تقوم على تنفيذه شركة watson wyatt الكندية، بمشاركة خبراء دوليين، سيكلف الأمانة ما يقارب مليونَي دينار، قيمة عطاء الشركة المنفذة للمشروع، في الوقت الذي أكد فيه مدير سابق في الأمانة أنهى المعاني خدماته بصورة مفاجئة قبل نحو عام، فضّل عدم ذكر اسمه، أن «مشروع الهيكلة كلّف الأمانة ما يقارب خمسة ملايين دينار حتى الآن»، وهو ما لم ينفهِ أحد المدراء المقربين من مشروع الهيكلة في الأمانة اشترط عدم نشر اسمه.

مشروع الهيكلة فرضَ على الأمانة نظاماً جديداً في الرواتب، فاقَ ما يتقاضاه مسؤولون في مؤسسات حكومية، بل فاق ما يتقاضاه أمين عمان نفسه من راتب، فإدخال خبرات محلية وعربية إلى الأمانة أحدثَ قفزة نوعية في رواتب هؤلاء الخبراء، من بينهم المستشار لشؤون النقل العام الذي يتقاضى راتباً يصل إلى 54 ألف دينار سنوياً والذي عُين مؤخراً مديراً تنفيذياً للنقل، وكذلك المدير التنفيذي للشؤون القانونية المحامي أحمد طهبوب الذي يتقاضى راتباً يصل إلى 48 ألف دينار سنوياً.

كما عملت الهيكلة على تعديل ورفع راتب نواب مدير المدينة، لتتساوى ورواتب المدراء التنفيذيين الذين قدموا من خارج الأمانة، وآخر هذه التعديلات ما طرأ على راتب مدير المدينة الذي رُفع من 4500 دينار إلى 6500 دينار وبأثر رجعي اعتباراً من منتصف العام 2009 وحتى مطلع 2010، إضافة إلى تعديل رواتب عدد من المدراء التنفيذيين ممن هم من داخل الأمانة ولم يأتوا من الخارج.

أمين عمان عمر المعاني دافع عن الرواتب العالية التي فرضتها الهيكلة الجديدة، بأن هذه الرواتب أقل مما يتقاضاه نظراؤهم في القطاع الخاص، كون هذه الخبرات متخصصة في مجالات غير موجودة في الأمانة، أمثال خبرات النقل العام وأنظمة الأوراكل وغيرها، و«حتى نحافظ عليها من التسرب إلى القطاع الخاص، فلا بد من رفع الرواتب لتبقى الأمانة محتفظة بهذه الخبرات».

إلا أن انتقادات كثيرة لقيها هذا القرار، رغم أنه صادر عن لجنة شؤون الموظفين التي يرأسها المعاني، المشكّلة من مدراء صغار في الأمانة وأعضاء في مجلسها. عضو مجلس الأمانة المحامية إيمان المفلح قالت في تصريح لـ ے إن «الهيكلة الإدارية لم تنصف أحداًًَ، فموظفو الصفين الأول والثاني عُدِّلت رواتبهم بصورة خيالية، أما صغار الموظفين فلم يلمسوا أي تغيير في رواتبهم أو أي تطوير وظيفي لهم».

هيكلة الأمانة لم تنهِ خدمات أي من العاملين لديها، ولم تؤدِّ للاستغناء عن أعداد كبيرة من الموظفين بحسب ما توقّع موظفون فيها، رغم ما أقر به الأمين في جلسة لمجلس الأمانة قبل عامين بوجود «ترهل وزيادة غير مبررة»، إذ يزيد عدد الموظفين في أمانة عمان عن 22 ألف موظف.

على أرض الواقع، فإن مخرجات الهيكلة الإدارية في أمانة عمان أفرزت مدير المدينة، وهو الرجل الثاني في الأمانة بعد أمينها، تبعه تحضير الهيكل التنظيمي الجديد لأمانة عمان الذي أعاد توزيع المهام باعتماد مبدأ التخصص، حيث تم تقسيم الأمانة إلى خمسة قطاعات رئيسية هي: قطاع الأشغال العامة الذي شغله فوزي مسعد، قطاع الخدمات العامة الذي شغله مصطفى اللوزي، قطاع الشؤون المالية والإدارية الذي شغله محمود خليفات، قطاع التنمية الاقتصادية الذي شغله بشار حدادين، وقطاع الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية الذي شغله هيثم جوينات.

بحسب الهيكل التنظيمي الجديد، فإن عدد المدراء التنفيذيين الذين يعملون تحت إشراف النواب الخمسة لمدير المدينة، وصل إلى 22 مديراً تنفيذياً، في حين بلغ عدد المدراء الآخرين ممن يعملون «تحتهم» 48 مديراً، والمجموع هو 70 مديراً، وكان عدد المدراء في الأمانة قبل إجراء الهيكلة يراوح بين 50- 55 مديراً بشكل كامل.

وترسم الهيكلة الإدارية الجديدة آلية العمل التي يسير عليها المدراء والمسؤولون الجدد ضمن خطط سنوية محددة لم تكن مفعّلة في السابق، إذ يكلف المدير التنفيذي للتطوير والتخطيط بوضع خطة سنوية لكل قطاع من قطاعات الأمانة للسير عليها ومن ثم دمج تلك الخطط جميعها في خطة عمل واحدة.

هيكلة إدارية للأمانة: رواتب أعلى لكبار الموظفين ولا استغناء عن أحد
 
01-Feb-2010
 
العدد 8