العدد 6 - استهلاكي
 

على مشارف مدينة مادبا، وتحديداً في السامك، تطل أرض جمال ازمقنا، التي ورثها عن والده، الرجل الخمسيني المتقاعد من القوات المسلحة، الذي شغلُه الشاغل هذه الايام. 45 دونماً زرعها بالزيتون والعنب وقليل من التفاح الزبداني.

استصلاح الأرض وزراعتها كان يعني الحصول على قرضَين بنكيَّين يتم تسديدهما من الراتب التقاعدي المتواضع لجمال، الذي يؤكد أنه يعتني بأرضه عناية فائقة: «أنا الوحيد من أصحاب هذه المزارع الذي يقوم برش الشجر ثلاث مرات سنوياً على الأقل، كما أقوم بشكل منتظم بالحراثة والرش والتقليم».

وهو يصف إنتاج أرضه من الزيتون بـ«الجيد جداً»، لكنه يشتكي من التسويق. مردود الأرض السنوي من بيع الزيت الذي يعصره في المعصرة المجاورة لأرضه، لا يغطي التكاليف من عناية وسقاية إلى حراسة ونقل.

يقول: «العام الفائت عُرض عليّ في الأرض ثمن مرتفع، وقد رفضت البيع، لكنني نادم على ذلك. لو استثمرت ثمنها في أي شيء لكان المردود أفضل بكثير».

رغم أن سعر زيت الزيتون مرتفع نسبياً العامَين الفائت والجاري، إلا أن تكاليف الإنتاج، كما يقول مزارعون، أعلى من أن يتحملونها.

الشكوى تمتدّ إلى المواطنين الذي يعانون من ارتفاع سعر زيت الزيتون مقارنة بسنوات سابقة، ففي الأعوام 2002 حتى 2006 كان معدل سعر تنكة زيت الزيتون يتراوح بين 30 إلى 50 دينارا، إلا أن الأسعار شهدت في الموسم الفائت ارتفاعات غير مسبوقة، حيث وصل سعر التنكة الواحدة إلى 100 دينار، ما أرجعه خبراء من وزارة الزراعة إلى «ضعف الموسم، وقلة الكميات المنتجة من الزيت في تلك الفترة»، عدا عن ارتفاع التكاليف التشغيلية من أجور القطف والعصر.

التكاليف التشغيلية هي أكثر ما يؤرق المزارعين، فازمقنا يؤكد ارتفاع تكلفة القطاف هذا العام، ويقول إنه دفع لمجموعة من العمال قطفوا ثمار الزيتون في أرضه العام الفائت عشرة قروش للكيلو، بينما دفع للعمال هذا العام 10 دنانير يومياً، تضاف إليها تكلفة الطعام والنقل.

المعادلة، إذن، تجمع طرفي نقيض: مزارعون يبتغون ربحاً، ومواطنون ينشدون أسعاراً معقولة.

وزارة الزراعة تؤكد أن إنتاج المملكة من الزيت للعام الجاري «جيد جداً»، وأنه يزيد عن إنتاج العام الفائت بنسبة 50 في المئة.

لكنّ مؤسس الجمعية الأردنية لمصدري منتجات الزيتون موسى الساكت، يرى أن نسبة الزيادة في الإنتاج لا تتعدى 20 في المئة، وإن كان أفضل من العام الفائت.

الإنتاج الوفير من الزيتون العام الحالي يعود بحسب مزارعين إلى عوامل ذات صبغة بيولوجية لهذه الشجرة، أو ما يعرف بظاهرة المعاومة (تبادل الحمل)، وهو ما يجعل إنتاج الزيتون جيداً في عام و«خفيفاً» في العام الذي يليه.

في الأعوام «الخفيفة» تتأثر أشجار الزيتون بموجات الحر العالية، خصوصاً أثناء مرحلة الإزهار والعقد، إضافة إلى أن غالبية أراضي الزيتون الإنتاجية في المملكة تقع في المناطق البعلية.

مزارعون اصطفوا على الدور عند معصرة شركة العليا للصناعات في مادبا، من أجل عصر قطافهم من الزيتون. وتذمر عدد كبير منهم بسبب إعلان وزارة الزراعة عن أن سعر تنكة الزيت في العام الجاري 55 ديناراً، في الوقت الذي عادت الوزارة فيه وأعلنت لاحقاً أن السعر أصبح 65 ديناراً.

المزارعون اشتكوا من مسألة تحديد السعر، سواء أكان ذلك من جهات حكومية أم غير حكومية، مطالبين بأن يكون السعر معوَّماً.

إعلان الوزارة هذا، بحسب أحد المزارعين، «ضرَبَ الموسم». ويقول، رافضاً الكشف عن اسمه، إنه لن يبيع بأقل من 70 ديناراً للتنكة.

الساكت يرى أن السعر العادل لتنكة الزيت هذا العام يجب أن يكون بمعدل 65 دينارا. وهو يفرق بين الزيت «البعل» والزيت «المروي». ويؤكد أن زيت الزيتون المروي، وهو الأكثر وفرة في الإنتاج، سينخفض سعره في شهر كانون الأول/ديسمبر إلى 55 ديناراً، فيما ستحافظ تنكة الزيت البعل على سعر 65 ديناراً.

وبحسب الساكت، فإن 30 ألف طن من إجمالي إنتاج الزيتون البالغ 130-150 ألف طن، يذهب للتخليل، ويصدَّر 30-40 في المئة منه إلى أسواق خارجية أهمها الخليج، متوقعا أن يبلغ إنتاج الزيت لهذا العام زهاء 25 ألف طن، 4 إلى 5 منها يذهب للتصدير.

77 في المئة من مساحات زراعة الزيتون في الأردن بعلية، بحسب الساكت الذي يشدد على ضرورة استحداث مفهوم «الزراعة المكثفة» في الأردن، مبيناً أن «زراعة الزيتون ما زالت بدائية لدينا».

ويقول إن الزراعة المكثفة معناها الزراعة ذات الإنتاجية العالية، ويكون القطف فيها بالآلات، ما يضاعف الإنتاج ويقلل التكاليف، مبيناً أن هذا «ممكن في المناطق المروية فقط».

الساكت يرى أيضاً أن «تصدير الزيتون الحَبِّ، بخاصة إلى الكيان الإسرائيلي، يعتبر خسارة للصناعة الوطنية»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تقوم بعصر الزيتون الأردني وتسويقه على أنه منتج إسرائيلي».

وزارة الصناعة والتجارة كانت نسّبت إلى مجلس الوزراء الذي أصدر قراراً بمنع تصدير الزيتون الحَبِّ إلى إسرائيل، ولكنه عاد عن القرار، بحسب مصادر، لأن «بعض التجار كانوا وقعوا عقوداً مع إسرائيل قبل صدور القرار».

لكنّ مصادر مطلعة في القطاع نقلت عن وزير الزراعة سعيد المصري قوله إنه «لن يكون هناك تصدير للزيتون إلى إسرائيل العام المقبل».

الساكت يؤكد أن تصدير الزيتون يقطع الحلقة الصناعية ويحرم الأردن من الاستفادة من عوائد أكبر لهذه الصناعة.

ويرى أن «ارتفاع سعر الزيتون والزيت يؤدي إلى فقدان إحدى أهم الميزات التنافسية للتصدير إلى أسواق عديدة في الوطن العربي»، بخاصة دول الخليج وأوروبا، وأسواق كبرى مثل اليابان والولايات المتحدة، والتي يتنافس الزيت الأردني فيها مع الزيت السوري والتونسي.

وقال: «الزيتون كنز وطني، علينا أن ندعمه بكل الوسائل، لأنه هوية أردنية تُصدَّر إلى جميع أنحاء العالم».

وإلى أن تتوافق الحلقات الإنتاجية والحكومة على صيغة تحمي المستهلك من غلاء الأسعار، وتحافظ، في الوقت ذاته، على صناعة وطنية مهمة من هجران أهلها لها، يبقى ازمقنا في أرضه يحنو عليها و تحنو عليه، فيما يلوح في أفقه هاجس يؤكد أنه سيهجر أرضه عندما تلوح «صفقة بيع جيدة».

موسم الزيت: مادبيّون يعيشون لحظة القطاف والنصيب
 
01-Dec-2009
 
العدد 6